تقرير - شهاب
في أحد مخيمات النزوح جنوب قطاع غزة، يقف طفل صغير أمام كاميرا هاتف متواضع، يمد ذراعيه على اتساعهما كما يفعل الأطفال في ترند الانتظار الشهير، ثم يتراجع خطوة إلى الخلف، يحدّق في الفراغ، كأنه ينتظر أحدا.
تمر ثوان صامتة، لا صوت فيها سوى الريح، ولا أحد يركض نحوه، يخفت وجهه تدريجيا، ويُسدل ذراعيه ببطء، وكأن المشهد انتهى قبل أن يبدأ.
خلال الأيام الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل مقاطع لأطفال من غزة يحاولون تقليد الترند ذاته، لكن بطريقتهم الخاصة، إذ تحوّلت الفكرة البسيطة إلى مشاهد تجدد ألم الفقد الذي يعيشه هؤلاء الصغار.
في أماكن كثيرة حول العالم، ينتهي هذا الترند بعناق وضحك بين الطفل ووالده، لكن في غزة ينتهي غالبا بصمت ثقيل، أو بنظرة حائرة نحو فراغ لا يملؤه أحد.
بعض الأطفال حاولوا التكيّف مع الواقع، فركضوا نحو أم أنهكها النزوح، أو نحو أخ أكبر، بينما اكتفى آخرون بفتح أذرعهم وانتظار من لن يأتي، أو الوقوف جانبا يراقبون دون مشاركة.
في أحد المقاطع المتداولة، يظهر طفل وهو يصوّر نفسه، يفتح ذراعيه بثقة، قبل أن يخفضهما ببطء عندما لا يجد من يحتضنه.
وفي مشهد آخر، تنجح طفلة في إعادة اللحظة مع والدها داخل خيمة نزوح، في لقطة بسيطة، لكنها نادرة وسط هذا الكم من الغياب.
لم يعد هذا الترند مجرد تقليد، بل تحوّل إلى مساحة صامتة للتعبير عن الحنين، ومحاولة لاستعادة مشاهد يومية فقدها الأطفال مع فقدان آبائهم وأمهاتهم.
في المخيمات، يعيش هؤلاء الأطفال بين خيام مهترئة وطرقات موحلة، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه، فيما يواجه كثير منهم الحياة دون أحد الوالدين أو كليهما، بينما لا يزال آخرون يجهلون مصير ذويهم في ظل آلاف المفقودين.
ووفق تقديرات حديثة حتى مارس 2026، خلّف العدوان الإسرائيلي عشرات آلاف الشهداء والجرحى في قطاع غزة، ما يعني آلاف القصص العائلية التي انقطعت، وأطفالًا وجدوا أنفسهم في مواجهة عالم قاسٍ بذاكرة ناقصة.
