خاص _ شهاب
تتسارع وتيرة المواجهة في جنوب لبنان مع دخول المعركة مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الأبرز الكمائن البرية المركزة التي تستهدف القوات "الإسرائيلية" المتقدمة، في مشهد يعيد إلى الأذهان تكتيكات المقاومة في قطاع غزة، حيث تحولت المعركة من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت العمليات التي تعتمد على نصب الكمائن للدبابات والآليات العسكرية في محاور الطيبة والقنطرة والخيام، ما يشير إلى تحول واضح في أسلوب القتال، قائم على استدراج القوات "الإسرائيلية" إلى نقاط مكشوفة ومن ثم استهدافها بشكل مفاجئ ودقيق.
تكتيك واحد بمعركتين
يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد غنيم أن ما يجري في جنوب لبنان يعكس نقلًا مباشرًا لتجربة غزة إلى الجبهة الشمالية، موضحًا أن "المقاومة باتت تعتمد نموذج الكمائن المركبة، الذي يقوم على استدراج القوة المهاجمة ثم ضربها في لحظة ضعفها".
ويضيف غنيم خلال حديثه لـ"شهاب" أن هذا الأسلوب أثبت فعاليته في غزة، حيث تمكنت المقاومة من إبطاء تقدم الجيش "الإسرائيلي" وتحويل المعركة إلى عبء يومي عليه، مشيرًا إلى أن "إعادة تطبيق هذا النموذج في جنوب لبنان تعني أن إسرائيل تواجه نمط قتال تعرفه جيدًا، لكنها لم تتمكن من حسمه سابقًا".
الكمائن سلاح الاستنزاف الأبرز
على الأرض، لم تعد المواجهة تدور حول خطوط تماس ثابتة، إنما حول نقاط اشتباك متحركة تُدار عبر كمائن مفاجئة، فالقوات "الإسرائيلية" التي تحاول التقدم داخل القرى الحدودية تجد نفسها أمام تهديد دائم، سواء من صواريخ مضادة للدروع أو عبوات ناسفة أو هجمات مباغتة.
ويؤكد الخبير العسكري اللبناني حسن جوني أن "الكمائن أصبحت السلاح الأكثر فاعلية في هذه المرحلة"، موضحًا أن طبيعة الجنوب اللبناني، بتضاريسه المعقدة، تمنح أفضلية واضحة لهذا النوع من العمليات.
ويقول خلال حديثه لـ"شهاب" إن "الجيش الإسرائيلي يتقدم ضمن بيئة غير مستقرة، حيث يمكن استهدافه في أي لحظة، وهذا ما يحول التقدم إلى عملية محفوفة بالمخاطر"، مضيفًا أن تكتيك الكمائن "لا يهدف إلى السيطرة على الأرض بقدر ما يهدف إلى استنزاف القوة المهاجمة".
استنزاف مستمر دون حسم
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا النمط من القتال يفرض معادلة جديدة، حيث يصبح التقدم "الإسرائيلي" بطيئًا ومكلفًا، في مقابل قدرة المقاومة على الحفاظ على وتيرة ضرباتها دون الانخراط في مواجهة مفتوحة.
ويقول محللون إن هذه المعادلة تجعل من الصعب تحقيق حسم سريع، خاصة أن الكمائن لا تحتاج إلى حشود كبيرة، إنما إلى معلومات دقيقة وتوقيت مناسب، وهو ما يتوفر في بيئة الجنوب.
وأحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو استهداف الدبابات "الإسرائيلية" بشكل متكرر، خاصة دبابات "ميركافا"، التي تشكل العمود الفقري للقوات البرية.
ويرى مراقبون ومحللون أن تكرار استهداف هذه الدبابات ضمن كمائن مدروسة يعكس محاولة واضحة لضرب عنصر القوة الأساسي لدى الجيش "الإسرائيلي"، وتحويله إلى نقطة ضعف.
معركة متعددة الجبهات
لا يمكن فصل ما يحدث في جنوب لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الجبهات بين غزة ولبنان، في إطار مواجهة متعددة المستويات.
ويشير أحمد غنيم إلى أن "إسرائيل تجد نفسها أمام نمط قتال متكرر في أكثر من جبهة، ما يضاعف من الضغط على قواتها"، مؤكدًا أن استنساخ تكتيك الكمائن في أكثر من ساحة "يهدف إلى تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي وإطالة أمد المعركة".
ومع استمرار الكمائن وتكرار استهداف القوات المتقدمة، يبدو أن المعركة في جنوب لبنان تتجه نحو نموذج أقرب إلى حرب استنزاف مفتوحة، حيث لا يكون الهدف تحقيق نصر سريع، إنما إضعاف الخصم تدريجيًا.
ويؤكد حسن جوني أن "هذا النوع من الحروب يعتمد على النفس الطويل، وليس على الحسم السريع"، مشيرًا إلى أن استمرار العمليات بهذا الشكل قد يؤدي إلى تغيير في حسابات الطرفين.
وتكشف الكمائن في جنوب لبنان عن تحول عميق في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد المعركة تُحسم بالقوة النارية فقط، إنما بالتكتيك والقدرة على استنزاف الخصم.
وبينما تتكرر مشاهد غزة في الجنوب اللبناني، يبدو أن الجيش "الإسرائيلي" يواجه معركة من نوع مختلف، معركة لا تُقاس بنتائج يوم واحد، إنما بقدرته على تحمل الاستنزاف المستمر.
