خاص / شهاب
يواجه سكان قطاع غزة أزمة متفاقمة في إيجاد أماكن لدفن موتاهم، في وقت لم يعد فيه الموت نهاية واضحة لمعاناة طويلة مع المرض أو القصف أو الحصار، بل تحوّل إلى بداية أخرى أكثر قسوة: "لا يوجد قبور".
وبين وداعٍ لم يكتمل وقبر غير متوفر، تقف غالبية العائلات الغزية أمام واقع ثقيل، حيث لا يكفي الحزن لفقدان الأحبة، بل يمتد إلى البحث عن مساحة صغيرة في أرض أنهكتها الحرب، وتراجعت فيها قدرة المقابر على استيعاب مزيد من الموتى، في ظل امتلاء معظمها وتضرر أجزاء واسعة منها بفعل التجريف والتدمير خلال الحرب، إلى جانب ارتفاع تكاليف تجهيز القبور وشح المواد الأساسية.
امتلاء المقابر
وتحوّلت عملية الدفن إلى مهمة معقدة تستغرق وقتاً طويلاً، وتفرض على العائلات البحث المتكرر عن مواقع متاحة، أو اللجوء إلى حلول اضطرارية تشمل الدفن في مساحات محدودة أو فوق جثث الآخرين بطرق غير منتظمة.
تتراوح تكلفة تجهيز وبناء القبر الواحد في قطاع غزة بين 1200 و1400 شيكل، أي (نحو 500 دولار أمريكي)، فيما قد ترتفع في بعض المناطق التي تشهد تصعيداً عسكرياً وحصاراً خانقاً إلى نحو 2000 شيكل، بفعل النقص الحاد والمستمر في المواد الأساسية اللازمة للدفن.
واجهت عائلة عواجة قبل أيام صعوبة في دفن جثمان والدهم الذي توفي إثر تدهور حالته الصحية نتيجة انقطاع علاج القلب خلال الفترة الأخيرة.
لكن لحظة الوفاة لم تُنهِ معاناة العائلة في نقص العلاج والمعدات الطبية، بل اصطدمت بواقع نقص حاد في أماكن الدفن، حيث تنقل الأبناء بجثمان والدهم بين عدد من المقابر في محاولة للعثور على موقع متاح، دون جدوى، في ظل امتلاء المقابر أو ارتفاع كلفة تجهيز القبور.

بحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن أزمة المقابر في قطاع غزة لا تقتصر على نقص المساحات المتاحة للدفن، بل تعكس تدهوراً واسعاً في البنية الجنائزية بفعل الدمار اللاحق بالمقابر منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفقاً لمعطيات المرصد، فإن نحو 93.5% من مقابر قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، إذ جرى تدمير 39 مقبرة بشكل كامل من أصل 62 مقبرة رسمية، فيما لحقت أضرار جزئية بـ19 مقبرة أخرى، ولم تبقَ سوى أربع مقابر فقط سليمة، ما أدى إلى ضغط شديد على القدرة الاستيعابية لمواقع الدفن.
وتوضح البيانات، بحسب المرصد، أن حجم الضرر امتد إلى مختلف محافظات القطاع؛ حيث شهدت محافظة رفح تدميراً كاملاً لجميع المقابر، فيما تضم محافظة خان يونس 24 مقبرة، تعرّضت 83.3% منها للتدمير الكلي، بينما لحقت أضرار جزئية بالبقية.
وفي شمال قطاع غزة، طالت الأضرار جميع المقابر العشر بدرجات متفاوتة بين التدمير الكلي والجزئي، بينما تضم مدينة غزة 11 مقبرة، تعرضت 45.5% منها للتدمير الكامل، في حين لحقت أضرار جزئية ببقية المقابر. أما في المنطقة الوسطى، فقد تضررت أربعة مقابر بشكل جزئي، فيما بقيت أربعة أخرى دون أضرار مباشرة.
وبحسب المرصد الأورومتوسطي، فقد وثقت تقارير حقوقية أيضاً عمليات نبش وتجريف طالت عدداً من المقابر خلال العمليات العسكرية، إضافة إلى تحويل بعضها في حالات معينة إلى مواقع عسكرية مؤقتة بذريعة البحث عن جثث محتجزين، ما أدى إلى طمس معالم القبور وإزالة الشواهد التعريفية، وخلط رفات الجثامين أو فقدانها.
كما تشير المعطيات إلى اختفاء مئات الجثامين من مواقع دفنها دون تسجيلات أو بيانات تعريفية واضحة، الأمر الذي أعاق عمليات التعرّف على الموتى وحرَم عائلات من معرفة أماكن دفن ذويهم أو ممارسة طقوس الزيارة والحداد.
وينعكس هذا الواقع، بحسب المرصد، على المستوى الإنساني عبر حرمان آلاف العائلات من معرفة مصير موتاها، وتعطيل الحق في الدفن اللائق، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وروحية عميقة في ظل حالة فقد غير مكتمل.
حلول بديلة
وفي السياق ذاته، تفاقمت الأزمة نتيجة ارتفاع تكاليف تجهيز القبور وشح مواد البناء، ما جعل عمليات الدفن عبئاً مالياً إضافياً على العائلات، وأدى في بعض الحالات إلى تأجيل الدفن أو اللجوء إلى حلول بديلة.

وتشير المعطيات إلى أن المقابر في قطاع غزة تعمل حالياً فوق طاقتها الاستيعابية، في ظل محدودية المساحات المتاحة، ما يجعل عملية الدفن تمر بسلسلة إجراءات معقدة تبدأ من البحث عن مكان للدفن ولا تنتهي إلا بتأمين التكلفة والتنفيذ.
وتضع هذه التطورات، وفق المرصد الأورومتوسطي، الأزمة في سياق أوسع يتجاوز البعد الخدمي إلى أبعاد إنسانية وحقوقية، إذ تُعدّ المقابر وفق القانون الدولي الإنساني أعياناً مدنية محمية، ويُعد استهدافها أو تدميرها انتهاكاً جسيماً قد يرقى إلى جرائم حرب، كما أن الاعتداء على الجثامين يدخل ضمن مفهوم المساس بالكرامة الإنسانية.
في ظل محدودية المقابر العاملة في قطاع غزة، يقول سعدي بركة، العامل في دفن الموتى بمقبرة "السويد" في دير البلح، إن العائلات لم تعد تجد «ولو نصف متر» لدفن أحبائها، مع تزايد أعداد الشهداء بشكل يومي وضغط المساحات المتاحة للدفن.
ويضيف بركة أن الخيارات المتاحة باتت شديدة الضيق، مشيراً إلى أن الدفن في بعض الحالات يقتصر فعلياً على مقبرتي الشيخ رضوان والمعمداني شرقي مدينة غزة، قرب المستشفى المعمداني، في ظل انهيار القدرة الاستيعابية لبقية المقابر.
ويوضح أن كلفة أي مساحة متاحة داخل المقابر ارتفعت بشكل كبير لتتراوح بين 1200 و1400 شيكل (نحو 480 إلى 520 دولاراً)، فيما باتت بعض القبور تُفتح أكثر من مرة لدفن أكثر من شهيد في اللحد ذاته، في ظل الأزمة المتفاقمة.
ويشير بركة، وهو يعمل في مقبرة “السويد” التي تُعد من أكبر وأقدم مقابر مدينة دير البلح وتبلغ مساحتها نحو 35 دونماً، إلى أنه لم يكن يتخيل يوماً أن يُضطر إلى بناء قبور فوق بعضها، قائلاً إن المقبرة شهدت بالفعل إنشاء «طابق ثانٍ» من القبور لدفن آلاف الجثامين.
ويتابع أن الجرافات تقوم بوضع طبقة من الرمال فوق القبور القديمة، ليصار إلى إنشاء قبور جديدة فوقها، محذراً من أن الوضع قد يزداد صعوبة، قائلاً: «أخشى أن نضطر بعد شهرين من الآن إلى بناء طابق ثالث»، في إشارة إلى ضغط الدفن المتصاعد في ظل استمرار الحرب.
استنزاف المقابر
وفي هذا السياق، أفادت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة بنفاد القبور في معظم مناطق القطاع، في ظل استمرار ما وصفته بتصاعد «الإبادة الجماعية» التي ترتكبها إسرائيل منذ نحو 22 شهراً.
وقالت الوزارة في بيان لها إن الاستهداف الممنهج للمدنيين وتواصل العمليات العسكرية جاء بالتوازي مع نفاد القبور في غالبية مناطق قطاع غزة، مشيرة إلى أن أكثر من 40 مقبرة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأضافت أن القيود المفروضة على الوصول إلى المقابر الواقعة ضمن مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية أدت إلى تقلص المساحات المخصصة للدفن واستنزاف المقابر القائمة، ما فاقم العجز الحاد في القبور المخصصة لدفن الشهداء والوفيات.
كما أشارت الوزارة إلى أن منع دخول الأكفان ومواد البناء والمستلزمات الأساسية الخاصة بتجهيز القبور فاقم من صعوبة الدفن وفق الضوابط الشرعية، في وقت تسببت فيه أوامر الإخلاء بتحويل مساحات واسعة كانت مخصصة للدفن إلى مناطق لإيواء النازحين.
