واشنطن و"إسرائيل" تتحركان لإنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى وفرض إدارة متعددة الأديان للمسجد

كشفت مصادر أمريكية وأردنية وفلسطينية وغربية وخليجية عن تحركات أمريكية "إسرائيلية" متسارعة تستهدف إنهاء الوصاية الأردنية التاريخية على المسجد الأقصى المبارك، وفرض ترتيبات جديدة تمنح الاحتلال "الإسرائيلي" نفوذًا مباشرًا على إدارة المسجد ومرافقه الدينية، في خطوة وصفتها مصادر فلسطينية بأنها تمثل أخطر محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس منذ عقود.

وبحسب تقرير نشرته ميدل إيست آي، فإن الخطة المطروحة تقوم على إنهاء صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن بشكل مفاجئ، واستبدالها بهيئة جديدة يجري تشكيلها بدعم من الحكومة "الإسرائيلية"، على أن يُعاد تعريف المسجد الأقصى باعتباره "مركزًا متعدد الأديان"، بما يسمح بتوسيع الوجود اليهودي الرسمي داخل باحاته.

ونقل التقرير عن مسؤولين أمريكيين وأردنيين وفلسطينيين، إضافة إلى مصادر غربية وخليجية مطلعة، أن المقترح تدعمه شخصيات نافذة في الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي ترامب، وفي مقدمتها جاريد كوشنر، إلى جانب السفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي، المعروف بمواقفه الداعمة للاستيطان "الإسرائيلي" وتيارات اليمين الديني المتطرف.

وقالت المصادر إن المشروع الجديد يمنح اليهود "وصولًا متساويًا" إلى المسجد الأقصى، ويتضمن السماح رسميًا بإقامة صلوات جماعية يهودية داخل باحات المسجد، في تحول جذري عن الترتيبات القائمة منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، والتي تقصر الصلاة داخل الأقصى على المسلمين فقط، مع السماح لغير المسلمين بالزيارة في أوقات محددة دون أداء شعائر دينية.

ووفقًا للتقرير، فإن الترتيب الجديد لا يقتصر على تقليص دور الأوقاف الإسلامية، بل يمنح سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" دورًا مباشرًا في تعيين الأئمة والخطباء والعاملين في المسجد، إضافة إلى التدخل في مضمون خطب الجمعة والمحتوى الديني الذي يقدم داخل المسجد الأقصى.

وأكد مسؤولان أمريكيان أن الإدارة الأمريكية أعدّت بالفعل مسودة وثيقة تتناول رؤيتها لمستقبل المسجد الأقصى، تقوم على إعادة تقديم الموقع باعتباره معلمًا سياحيًا ودينيًا يضم أتباع الديانات الثلاث، وهو ما اعتبرته مصادر فلسطينية محاولة واضحة لتجريد المسجد من هويته الإسلامية الخالصة وفرض وقائع دينية وسياسية جديدة في القدس المحتلة.

كما نقل التقرير عن مسؤول غربي ومصدر مطلع داخل الحكومة الأردنية أن المقترح يتضمن منح بعض الدول العربية دورًا "دوريًا" أو إشرافيًا داخل مجمع المسجد الأقصى، في إطار إدارة إقليمية جديدة للموقع.

وبحسب المصادر، فقد جرى إطلاع كل من الإمارات والبحرين والمغرب ومصر على المقترح الأمريكي، فيما أبدت السعودية اعتراضًا واضحًا على المشروع، باعتبار أن الوصاية الهاشمية تشكل عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة والعلاقة التاريخية مع القدس.

وقالت مصادر خليجية إن الرياض تنظر إلى أي محاولة للمساس بالوصاية الأردنية باعتبارها خطوة خطيرة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، خاصة في ظل الحساسية الدينية والسياسية المرتبطة بالمسجد الأقصى.

وأشار التقرير إلى أن فكرة تقليص الدور الأردني طُرحت داخل الأوساط "الإسرائيلية" منذ سنوات، إلا أن السفير الأمريكي مايك هاكابي دفع بقوة خلال الفترة الأخيرة باتجاه إعادة تفعيل المشروع، بعد توليه منصبه سفيرًا لدى الاحتلال.

ونقل التقرير عن مصدر مطلع على موقف عمّان قوله إن واشنطن تبدي انزعاجًا متزايدًا من لجوء الأردن إلى استخدام ملف الوصاية الهاشمية للاحتجاج على الانتهاكات "الإسرائيلية" المتواصلة داخل المسجد الأقصى، خاصة مع تصاعد المواقف الأردنية الرسمية المنتقدة لإجراءات الاحتلال في القدس.

ويأتي ذلك بعد أيام من إدانة البرلمان الأردني لإجراءات "إسرائيلية" استهدفت الاستيلاء على ممتلكات فلسطينية وأوقاف إسلامية قرب المسجد الأقصى.

وفي جانب آخر، أثارت الخطة الأمريكية "الإسرائيلية" مخاوف إضافية تتعلق بالمقدسات المسيحية في القدس، إذ أشارت المصادر إلى أن المقترح لم يتطرق بشكل واضح إلى مستقبل المواقع المسيحية الخاضعة أيضًا للرعاية الهاشمية.

ويتمتع الأردن كذلك بدور مؤثر في تعيين بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس، ما دفع مصادر مطلعة للتحذير من أن أي تغيير في ملف الوصاية قد يفتح الباب أمام صراع أوسع يتعلق بالمقدسات المسيحية أيضًا.

وأكد مسؤول حكومي أردني أن موقف عمّان تجاه القدس "ثابت ولم يتغير"، مشددًا على أن الوصاية الهاشمية معترف بها دوليًا بموجب الاتفاقيات والمعاهدات، وعلى رأسها المادة التاسعة من معاهدة السلام الأردنية "الإسرائيلية" الموقعة عام 1994.

وأضاف أن الأردن يواصل التنسيق مع الجانب الفلسطيني والدول العربية والمجتمع الدولي للحفاظ على الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للقدس ومنع أي تغيير في الوضع التاريخي والقانوني القائم.

ويُدار المسجد الأقصى منذ عام 1967 وفق ترتيبات خاصة تُعرف بـ"الوضع القائم"، حيث تتولى دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن إدارة الشؤون الدينية داخل المسجد، بينما تسيطر سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" على المداخل والإجراءات الأمنية الخارجية.

إلا أن مسؤولين فلسطينيين وأردنيين أكدوا أن الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة عملت خلال السنوات الماضية على تقويض هذا الترتيب تدريجيًا، عبر تكثيف اقتحامات المستوطنين للمسجد، والسماح بأداء طقوس تلمودية داخله، وفرض قيود مشددة على المصلين الفلسطينيين وحراس الأوقاف.

وأشار التقرير إلى أن المشروع الأمريكي "الإسرائيلي" يبدو مستوحى من تجربة المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، حيث فرض الاحتلال بعد مجزرة عام 1994 تقسيمًا فعليًا للمسجد بين المسلمين واليهود، وخصص 63% من مساحته للعبادة اليهودية مقابل 37% للمسلمين.

وفي هذا السياق، حذر مصطفى أبو سوي، نائب رئيس مجلس الأوقاف، من خطورة المساس بالوصاية الهاشمية، مؤكدًا أنها تمثل "حجر الزاوية للاستقرار في المنطقة"، وأن الفلسطينيين ينظرون إليها باعتبارها "خط نجاة" في مواجهة محاولات الاحتلال فرض سيطرته الكاملة على المسجد الأقصى.

من جانبها، قالت محافظة القدس إنها لم تتلق أي إخطار رسمي بشأن هذا المقترح، لكنها أكدت رفضها الكامل لأي ترتيبات تمس الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.

وأضافت المحافظة أن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" صعّدت خلال الفترة الأخيرة تدخلها في عمل الأوقاف الإسلامية، عبر فرض قيود على الحراس والموظفين، وتوسيع اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد.

وفي السياق ذاته، قالت مصادر خليجية إن الأردن سيعتمد على دعم إقليمي واسع لمواجهة أي تحرك يستهدف الوصاية الهاشمية، مشيرة إلى أن السعودية تدرك خطورة أي تغيير في وضع المسجد الأقصى على استقرار المنطقة بأكملها.

كما تحدث التقرير عن تنامي العلاقات بين الأردن والسعودية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين ولي العهد الأردني الأمير حسين بن عبد الله وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في ظل محاولات تنسيق المواقف تجاه ملفات المنطقة.

وفي المقابل، أبدت مصادر عربية مخاوف من أن تدعم الإمارات والبحرين أي ترتيبات جديدة مرتبطة بفكرة "التعايش الديني" التي روجت لها الدولتان بعد اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال .

وأشار التقرير إلى أن الإمارات عززت خلال السنوات الأخيرة تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني مع الاحتلال "الإسرائيلي"، كما افتتحت عام 2023 مجمعًا دينيًا متعدد الأديان يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا يهوديًا.

كما حافظت البحرين على علاقات وثيقة مع الاحتلال، وتجنبت في كثير من الأحيان توجيه انتقادات مباشرة للسياسات "الإسرائيلية" في القدس، ما أثار مخاوف فلسطينية وأردنية من إمكانية استخدامها لدعم ترتيبات جديدة داخل المسجد الأقصى.

وفي ختام التقرير، أشار "ميدل إيست آي" إلى أنه تواصل مع وزارات خارجية البحرين والإمارات والسعودية والمغرب ومصر للحصول على تعليقات رسمية، دون تلقي ردود حتى وقت النشر.

وبعد نشر التقرير، نفى مسؤول أمريكي صحة المعلومات الواردة فيه، واعتبر أن الحديث عن تحركات أمريكية لإنهاء الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى "كاذب تمامًا".

المصدر : ميدل إيست آي

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة