خاص / شهاب
تشير معطيات وتحليلات إعلامية إلى أن إسرائيل انتقلت خلال السنوات الأخيرة من نموذج الدعاية التقليدية إلى منظومة أكثر تعقيدًا تُعرف بـ"هندسة الرأي العام الرقمي"، تقوم على إدارة متعددة الطبقات تشمل المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، وشركات الإعلان الرقمي، وأدوات تحسين السمعة الإلكترونية، في محاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية حول سياساتها وحربها المستمرة، خصوصًا في سياق العدوان على قطاع غزة.
وبحسب تقارير إعلامية ووثائق مرتبطة بإفصاحات تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة (FARA)، فإن جزءًا من هذه المنظومة يعتمد على تمويل مؤثرين في دول غربية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، مقابل إنتاج محتوى رقمي داعم للرواية الإسرائيلية أو مُخفّف من وقع الانتهاكات الميدانية، مع تقديرات تشير إلى مدفوعات قد تصل إلى آلاف الدولارات لكل منشور أو حملة محتوى.
عفويًا وشخصيًا
هذا التحول لا يقتصر على تغيير أدوات الدعاية، بل يعكس انتقالًا جوهريًا في طبيعة الخطاب نفسه؛ من خطاب رسمي صادر عن مؤسسات الدولة إلى محتوى "شخصي" يبدو عفويًا صادرًا عن أفراد، ما يمنحه قدرة أكبر على التغلغل داخل الفضاء الرقمي، خصوصًا لدى الفئات الشابة التي تعتمد على المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للأخبار والمعلومات.
تشير دراسات بحثية إلى أن مفهوم "الهسبرة" الإسرائيلي لم يعد يقتصر على الدعاية التقليدية أو تبرير السياسات الرسمية، بل تطوّر إلى استراتيجية شاملة لإدارة الإدراك العام عالميًا، تقوم على إعادة تشكيل طريقة فهم الجمهور للأحداث، خصوصًا في سياق الحرب على غزة.
وبحسب تحليل الباحث طارق كيني-الشوَّا، فإن هذه المنظومة لا تكتفي بنفي الروايات الفلسطينية، بل تعمل على توجيه تفسيرها عبر إنتاج محتوى رقمي يبدو عفويًا وشخصيًا، بينما يخدم سردية سياسية منظمة، يتم تمريرها عبر مؤثرين ومنصات إعلامية وشبكات رقمية غير مباشرة.
وتقوم هذه الاستراتيجية على تحويل الدعاية من خطاب رسمي واضح إلى محتوى يومي متكرر، ما يجعل الرسائل السياسية أكثر قابلية للاستهلاك، وأصعب في التمييز عن المحتوى العادي، خصوصًا داخل منصات التواصل الاجتماعي.
الأخطر في هذه المنظومة أنها لا تستهدف فقط إقناع الجمهور، بل صناعة "الشك" نفسه، عبر التشكيك المستمر في مصادر التوثيق الفلسطينية، وإعادة تعريف الصور والمقاطع الميدانية بوصفها "محتوى قابل للتأويل"، وهو ما يضعف تلقائيًا مصداقية الرواية الفلسطينية في الوعي الدولي.
وفي امتداد هذا التأثير، يشير التحليل إلى أن تضخيم هذه السرديات داخل الفضاء الرقمي يجعلها جزءًا من البيئة المعلوماتية العامة، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتعلم من هذا الفضاء، فتعيد إنتاج أنماط الخطاب الأكثر انتشارًا، بغض النظر عن عدالتها أو دقتها.
في موازاة هذا التوسع في الدعاية الرقمية الإسرائيلية، تبرز تقارير بحثية وإعلامية تشير إلى أن تأثير هذه الحملات لا يتوقف عند حدود المنصات الاجتماعية، بل يمتد بشكل غير مباشر إلى البيئة الرقمية الأوسع، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGemini وGrok.
معركة إنتاج المعرفة
وتوضح هذه التقارير أن هذه الأنظمة لا تتلقى توجيهًا سياسيًا مباشرًا، لكنها تُدرَّب على كميات ضخمة من البيانات المتاحة عبر الإنترنت، ما يجعلها عرضة لتكرار السرديات الأكثر انتشارًا وهيمنة في الفضاء الرقمي، حتى لو كانت هذه السرديات ناتجة عن حملات منظمة أو موجهة.
ومن هذا المنظور، يتشكل ما يمكن وصفه بـ"التأثير غير المباشر"، حيث يؤدي تضخيم محتوى معين، وإعادة إنتاجه عبر شبكات المؤثرين والإعلانات والمنصات المختلفة، إلى رفع حضوره داخل البيانات التي تُبنى عليها هذه الأنظمة، ما يفتح نقاشًا متصاعدًا حول مفهوم الحياد المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، تقول الدكتورة فداء المدهون، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي، إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في إطار "تحسين صورة إسرائيل إعلاميًا"، بل هو تحول بنيوي في طبيعة الصراع داخل الفضاء الرقمي، حيث باتت المعركة تدور حول من يملك القدرة على تشكيل المعرفة نفسها.
وتوضح المدهون أن التوسع في تمويل الدعاية الرقمية الإسرائيلية يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الفضاء الإلكتروني بوصفه ساحة مركزية لإنتاج التصورات العامة، وليس مجرد منصة لنقل الأخبار، بل فضاء تُبنى داخله القناعات والمواقف بشكل يومي وتراكمي.
وتضيف أن الجمهور اليوم لم يعد يتلقى المعلومة من مصدر واحد أو رسمي، بل من تدفق هائل ومتشابك من المحتوى عبر منصات متعددة، ما يجعل تشكيل الرأي العام مرتبطًا بعوامل مثل التكرار والانتشار وخوارزميات الوصول، أكثر من ارتباطه بمصداقية المصدر أو دقة المحتوى.
حرب المعلومات
وحول العلاقة بين هذه الحملات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، تشير المدهون إلى أن هذه النماذج "لا تُوجَّه سياسيًا بشكل مباشر، لكنها تتأثر جذريًا بالبيئة المعلوماتية التي تُدرّب عليها"، موضحة أن تضخيم سرديات سياسية محددة داخل الإنترنت ينعكس لاحقًا على طريقة تمثيل المعلومات داخل هذه الأنظمة.
وتؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في محاولة التحكم المباشر بالخوارزميات، بل في السيطرة غير المرئية على "بيئة البيانات" نفسها، حيث يصبح تراكم المحتوى وإعادة إنتاجه عاملًا حاسمًا في تشكيل المعرفة الرقمية العالمية.
وترى المدهون أن الخط الفاصل بين "الدعاية الرقمية" و"إعادة صياغة الواقع" بات أكثر ضبابية من أي وقت مضى، خصوصًا مع تداخل أدوات متعددة تشمل المؤثرين، وشركات الإعلان الرقمي، وتحسين محركات البحث، وشبكات إنتاج المحتوى واسع الانتشار.
وتضيف أن هذا النوع من التأثير لا يُدار من جهة واحدة، بل عبر منظومة مترابطة من الفاعلين الرقميين، ما يجعله أكثر تعقيدًا وأصعب في التتبع والتحليل، ويتطلب أدوات بحثية وتقنية متقدمة لفهم بنيته وآثاره.
في قراءة أوسع، تؤكد المدهون أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها القوة العسكرية أو الإعلام التقليدي وحدهما الحاسمين، بل أصبحت السيطرة على تدفق المعلومات الرقمية جزءًا مركزيًا من معادلة النفوذ.
وتشدد على أن "الذكاء الاصطناعي لا ينحاز بذاته، لكنه يعكس طبيعة البيئة التي يُبنى عليها"، ما يعني أن ما يُنتج ويُضخ في الفضاء الرقمي اليوم ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على المعرفة التي تُعاد صياغتها داخل الأنظمة الذكية عالميًا.
وتحذر المدهون من أن استمرار تضخم المحتوى الدعائي المنظم قد يؤدي إلى إضعاف الثقة العامة بالمعلومة الرقمية، وخلق حالة من الضبابية بين المعرفة الموثوقة والمحتوى الموجّه، وهو ما ينعكس على وعي الجمهور العالمي وإدراكه للوقائع.
وتشدد في ختام حديثها على أن حماية حياد المعرفة في العصر الرقمي تتطلب تعزيز الشفافية في مصادر البيانات، وتطوير أدوات مستقلة لرصد الانحيازات الرقمية، إلى جانب رفع مستوى الوعي النقدي لدى المستخدمين حول كيفية إنتاج المعلومات وإعادة تدويرها داخل الفضاء الإلكتروني.
