5 انسحابات أجنبية من المشروع

تلفريك القدس.. غطاء سياحي لمخطط الاستيلاء على الأرض وتهويد المدينة

تتواصل العثرات أمام مشروع التلفريك الاستيطاني الذي تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إقامته في القدس المحتلة، بعدما امتنعت شركة هندسية إيطالية عن المشاركة فيه، لتصبح خامس شركة أجنبية تنسحب من المشروع الذي يهدد أراضي الفلسطينيين ومنازلهم في بلدة سلوان، ويستهدف تغيير المشهد التاريخي للمدينة وفرض وقائع تعزز السيطرة الإسرائيلية عليها.

ويأتي الانسحاب الجديد في وقت تحاول فيه سلطات الاحتلال إعادة تحريك المشروع بعد توقف استمر نحو أربع سنوات، إذ أعلنت هيئة تطوير القدس، أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، نيتها إسناد عقد استشارات هندسية إلى شركة «ROPES» الإيطالية، من دون طرح مناقصة عامة، بحسب ما أوردته صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأربعاء.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ستيفان أوبيكسر، إن «ROPES» رفضت تقديم الخدمات الاستشارية للمشروع بسبب ارتباطها بالتزام آخر في الهند، فيما لم توضح الشركة ما إذا كانت الاعتبارات القانونية والسياسية المتعلقة بالقدس المحتلة قد أثرت في قرارها.

مشروع سياحي بغطاء استيطاني

ويستهدف المشروع إنشاء خط تلفريك بطول 1.4 كيلومتر، يربط القدس الغربية بمجمع سياحي مخطط له على مساحة 16 ألف متر مربع، تروج له منظمة «إلعاد» الاستيطانية، التي تعمل على تعزيز الوجود الاستيطاني وفرض السيطرة الإسرائيلية على مناطق في القدس الشرقية المحتلة.

وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلية قد وافقت على المشروع عام 2019، فيما أيدته المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2022، رغم الاعتراضات التي أثارها بسبب انعكاساته على الأحياء الفلسطينية والمشهد التاريخي للبلدة القديمة.

ولا ينفصل المشروع عن سياسة الاحتلال الرامية إلى تغيير هوية القدس وفرض رواية إسرائيلية على تاريخها ومواقعها الأثرية؛ فالمدينة، التي احتلت إسرائيل شطرها الشرقي عام 1967، لا تزال أراضيها الشرقية، بما فيها البلدة القديمة، تُعد أرضاً فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي، رغم إعلان الاحتلال ضمها عام 1980.

ووفقاً لمنظمة "عيمق شافيه" الإسرائيلية المعنية بحماية التراث، فإن هيئة تطوير القدس كثفت مؤخراً تحركاتها لدفع المشروع إلى الأمام، في مسار يتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية للاحتلال وسياساته في الأراضي الفلسطينية.

وكان رئيس بلدية القدس السابق نير بركات قد وصف التلفريك بأنه وسيلة تتيح للزوار «فهم من هو المالك الحقيقي للمدينة»، في تصريح يكشف البعد السياسي للمشروع، الذي يتجاوز الاعتبارات السياحية إلى محاولة ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على محيط البلدة القديمة.

54 منزلاً فلسطينياً مهددة

وتتركز المخاطر المباشرة للمشروع في بلدة سلوان، حيث يحذر فلسطينيون ومنظمات حقوقية من تداعيات إنشاء مسار التلفريك فوق المناطق السكنية، بما يشمل الاستيلاء على الأراضي وفرض حقوق ارتفاق جوي على العقارات الواقعة أسفله.

وبحسب منظمات حقوقية، يهدد المشروع نحو 54 منزلاً فلسطينياً في حي وادي حلوة بسلوان، سواء من خلال مصادرة الأراضي أو فرض حقوق الارتفاق الجوي، فضلاً عن الأضرار المحتملة التي قد تطال منازل أخرى في محيط المسار.

وأصدرت سلطات الاحتلال 17 إخطاراً بمصادرة أراضٍ تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 8.7 دونمات، أي ما يعادل 8700 متر مربع، لاستخدامها في إقامة أعمدة دعم التلفريك.

ويعني تنفيذ المشروع أن تمر عربات التلفريك على ارتفاع أمتار قليلة فوق منازل فلسطينية، في مشهد يثير مخاوف السكان من المساس بخصوصية حياتهم اليومية، إلى جانب ما قد يترتب عليه من قيود على حقوقهم في أراضيهم وعقاراتهم.

وحذر المدير التنفيذي لمنظمة «عيمق شافيه»، عالم الآثار ألون أراد، من أن المشروع يتعارض مع المبدأ التاريخي القاضي بعدم إقامة مبانٍ أو بنى تحتية ضخمة حول البلدة القديمة، معرباً عن قلقه من مشاركة سلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية، المكلفة بحماية هذا المبدأ، في المشروع.

وترى جهات معنية بالتراث والبيئة، إلى جانب فلسطينيين في سلوان، أن تنفيذ المخطط يهدد الطابع التاريخي والثقافي للمنطقة، ويضع البنية العمرانية المحيطة بالبلدة القديمة أمام تغييرات واسعة تخدم أهداف الاحتلال في القدس.

انسحاب خمس شركات 

ولم تكن الشركة الإيطالية أولى الجهات الأجنبية التي تعزف عن المشاركة في المشروع؛ إذ انسحبت أربع شركات أخرى، ثلاث فرنسية وواحدة سويسرية، بعد إبداء اهتمام سابق به، وفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.

وفي عام 2015، حثت الحكومة الفرنسية إحدى الشركات على عدم المشاركة في المشروع، فيما انسحبت شركة «CNA» الفرنسية قبل أقل من عام، تلتها شركة «Histec Engineering» السويسرية، في سلسلة انسحابات ارتبطت بحساسية المشروع السياسية.

ورغم هذه الانسحابات، تصر هيئة تطوير القدس على مواصلة المخطط. ونقلت «هآرتس» عن متحدث باسم الهيئة قوله إن العمل مستمر وفق الخطة والجداول الزمنية المحددة، بعد رفض المحكمة العليا الطعون المقدمة ضد المشروع، مضيفاً أن إجراءات المناقصة تخضع للقانون، وأن العطاء يُتوقع أن يكون جاهزاً للنشر خلال الأشهر المقبلة، بعد استكمال صياغته.

ولم تقدم الهيئة، في المقابل، توضيحات بشأن الانسحاب الأخير، فيما لم ترد الشركة الإيطالية على أسئلة تتعلق بما إذا كانت المخاوف القانونية المرتبطة بإقامة المشروع في القدس الشرقية المحتلة قد أثرت في قرارها.

التلفريك ضمن سياسة أوسع لتغيير القدس

ويأتي الدفع بمشروع التلفريك في سياق تتزايد فيه عمليات الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة، بالتوازي مع هدم المنازل بحجة البناء من دون ترخيص، وهي سياسات أسهمت في تهجير عائلات فلسطينية من مناطق مختلفة في المدينة.

وتسارعت هذه الإجراءات منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع تكثيف الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات في أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

كما تتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، ولا سيما خلال موسم قطف الزيتون. ففي 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، هاجم مستوطنون قرى فلسطينية وأحرقوا سيارات وأشجاراً، وأصابوا مصوراً صحفياً يعمل لدى صحيفة "واشنطن بوست". وفي اليوم التالي، اعتدوا على دبلوماسيين أوروبيين، ما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص وإلحاق أضرار بسيارة دبلوماسية.

 لا يبدو مشروع التلفريك مجرد وسيلة نقل سياحية، بل جزءاً من مخططات تستهدف الأرض الفلسطينية والوجود السكاني والتراث التاريخي في القدس المحتلة، عبر مشاريع بنية تحتية ومرافق سياحية تتداخل مع مساعي الاستيطان وتغيير هوية المدينة، بينما يواجه السكان الفلسطينيون تهديدات مباشرة تطال منازلهم وحقوقهم في الأرض.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر