تقرير - شهاب
في الوقت الذي يستعين فيه نحو نصف مليون مستخدم عربي بتطبيق الملاحة الشهير "ويز" (Waze) للهروب من الأزمات المرورية، فتح قرار ماليزيا والعراق حظر التطبيق الباب أمام حقيقة تقنية خطيرة يجهلها القطاع الأكبر من المستهلكين في المنطقة العربية.
وتتمثل الحقيقة في أن "التطبيق ليس مجرد خدمة خرائط تابعة لشركة "ألفابت" (غوغل)، وإنما هو منتج استخباري أُسس داخل أروقة المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ولا يزال خاضعاً بالكامل للقوانين الأمنية لكيان الاحتلال".
ففي خطوة سيادية حازمة، أعلن رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم حظر استخدام "ويز" على جميع موظفي القطاع العام والدولة بشكل فوري.
وجاء القرار عقب اجتماع للجنة الوطنية للأمن السيبراني، حيث أكد إبراهيم أن التطبيق "خاضع للقوانين الإسرائيلية ويشكل تهديداً لأمن بيانات المواطنين وهوياتهم".
الخطوة الماليزية جاءت لتتكامل مع توجه رسمي أعلنته وزارة الاتصالات العراقية لحظر التطبيق كلياً بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول 2026، مما يطرح تساؤلات ملحة حول طبيعة المخاوف الأمنية التي تدفع الدول لحظر هذه المنصة، والمدى الذي يصل إليه الموقف الدولي والإقليمي منه.
خريطة أُنتجت في مكاتب "الوحدة 8200"
تعود أصول "ويز" إلى عام 2006 حين أُطلق كمشروع خرائط مفتوح المصدر باسم (FreeMap)، قبل أن يتحول عام 2008 إلى شركة "ويز موبايل". وعلى الرغم من استحواذ شركة "غوغل" الأمريكية عليه عام 2013 بصفقة بلغت 1.3 مليار دولار، إلا أن جذوره التشغيلية والقانونية ظلت راسخة في "إسرائيل".
وتكشف تقارير منصات حقوقية وتقنية مستقلة، أبرزها منصة "إرباك" (Irbak)، أن مؤسسي التطبيق الثلاثة (شبتاي، أوري ليفين، وأمير شينار) أتموا خدمتهم العسكرية في "الوحدة 8200"— وهي الذراع السيبراني الأكبر في جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، المتخصصة في التجسس والتنصت وتتبع البيانات.
ولطالما استُخدمت خريطة خريجي هذه الوحدة لبناء منصات اختراق ومراقبة؛ حيث يذكر الموقع الرسمي لجيش الاحتلال أوري ليفين بصفته "نموذجاً لرجال الأعمال الناجحين الذين خرجوا من رحم الجيش"، وهي الوحدة ذاتها المتورطة في مراقبة الاتصالات والبنية التحتية للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.
خوادم في "تل أبيب" وقوانين تبيح التجسس
وتكمن الخطورة العلمية والتقنية لتطبيق "ويز" في بند لا يقرأه معظم المستخدمين ضمن شروط الخدمة وسياسة الخصوصية. إذ ينص التطبيق صراحة على أن الشركة المشغلة مسجلة في "إسرائيل"، وأن البيانات تُعالج وتُخزن عبر خوادم سحابية خاضعة مباشرة للقوانين "الإسرائيلية".
هذا الوضع التأسيسي يعني قانونياً أن أجهزة أمن الاحتلال قادرة على الوصول إلى قواعد بيانات التطبيق واستدعائها تحت دواعي "الأمن القومي الإسرائيلي".
ويجمع "ويز" حزمة من أشد البيانات حساسية، تشمل أنماط التحرك الميداني عبر تتبع خط سير السائقين وأوقات تنقلهم ورسم خرائط تفصيلية للمناطق والحيّات العمرانية، ورصد الدوريات والنقاط الحساسة حيث يتيح التطبيق للمستخدمين الإبلاغ عن أماكن وجود دوريات الشرطة والرادارات، وهي ميزة تجمع داتا جغرافية حية يمكن استخدامها في المراقبة العسكرية.
وحذر خبراء أمنيون في تقارير استقصائية نشرتها منصة "فولو ذا موني" الأوروبية من أن كتل البيانات الضخمة (Big Data) التي يجمعها التطبيق تُستخدم لتغذية خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها أجهزة الاحتلال الأمنية في تتبع الناشطين وتوجيه المسيرات المركبة دون طيار.
مواقف وإجراءات دولية ضد التطبيق
لم تقتصر التخوفات على ماليزيا والعراق، وإنما امتدت لتشمل عدة أطراف دولية وإقليمية اتخذت مواقف تحذيرية أو تقييدية. إذ حذرت الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني بشكل متكرر المواطنين والمسؤولين من استخدام التطبيق، وتتم مقاطعته رسمياً وشعبياً كونه منتجاً "إسرائيلياً" يُشكل خرقاً لقوانين المقاطعة وثغرة أمنية للمقاومة والشعب اللبناني.
وأيضا فتحت منظمات حقوقية وخبراء أمن سيبراني (بينهم ضباط سابقون في الاستخبارات الهولندية) ملفات للتحقيق في مشاركة بيانات الأوروبيين مع خوادم داخل كيان الاحتلال دون إذن صريح، وتجري مطالبة المفوضية بإعادة تقييم تصنيف "إسرائيل" كـ "ملاذ آمن للبيانات".
وكذلك الدول ذات السيادة الرقمية (إيران والصين)، حيث يُعطل عمل التطبيق حكماً ضمن سياسات جدران الحماية الوطنية والتطبيقات المحلية البديلة لمنع تتبع النطاقات الجغرافية الحساسة.
ورغم حظره في دول تضع الأمن السيبراني ومقاطعة الاحتلال في مقدمة أولوياتها مثل ماليزيا، يُظهر تقرير منصة "ورلد بوبيلشن ريفيو" الإحصائية أن نحو 500 ألف مستخدم في المنطقة العربية يتداولون التطبيق يومياً دون إدراك لخطورته.
