تقرير - شهاب
بعد أربع سنوات من المحاولات والانتظار، حملت فايقة العريدي (33 عاما)، طفلتها الأولى بين ذراعيها، وكانت قد حضّرت قلبها لهذه اللحظة طويلا، لكنها لم تحضّره لما رأته، طفلة جميلة الملامح، ينقصها ما لم يخطر لها أن تحسب له حسابا "يدان صغيرتان".
في مخيم البريج وسط قطاع غزة، سمّت الأم مولودتها نور عبد الجواد، وهو اسم يُختار عادة لطفلة يُنتظر أن تضيء البيت، وقد أضاءته فعلا، لكن الفرحة جاءت ممزوجة بسؤال لا يغادر المكان "ماذا جرى لها وهي في بطني؟".
تروي العائلة أن الحمل مرّ في أشهر كانت الصواريخ تسقط فيها على منازل مجاورة في البريج، وكانت فايقة تستنشق دخانها وغبارها كل مرة، وتحتمي بجدران لم تعد تحمي أحدا.
وترى العائلة أن ما استنشقته في تلك الأشهر هو ما ترك أثره على جسد نور قبل أن ترى الدنيا.
وحالة نور ليست الوحيدة، يقول مدير قسم المعلومات في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، إن القطاع سجّل خلال عام 2025 نحو 49 ألف حالة ولادة، من بينهم 315 طفلا مصابا بتشوهات خلقية شملت القلب، والمثانة، وأعضاء أخرى.
وأضاف أن نسبة الارتفاع في التشوهات الخلقية والولادات المبكرة تجاوزت 60% مقارنة بالسنوات التي سبقت الحرب، ولا سيما عام 2022.
وفي مجمع ناصر الطبي في خان يونس وحده، سجّلت وزارة الصحة الفلسطينية أكثر من 172 إصابة لأطفال حديثي الولادة بتشوهات واضطرابات خلقية خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس 2024، توفي 20% منهم، وهذا رقم مستشفى واحد في ثلاثة أشهر، فكيف يكون الحال في بقية القطاع؟.
ويتحدث الأطباء عن أكثر من سبب، فطبيب النساء والولادة في مستشفى العودة بمخيم النصيرات، الدكتور ناجي القرشلي، يرى أن من أبرز الأسباب المتفجرات التي ألقاها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، والمواد السمية الناتجة عنها.
أما رئيس قسم حضانة الأطفال في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أسعد النواجحة، فيشير إلى تعدد الأسباب بين عوامل وراثية وأخرى بيئية وغذائية، ويخص بالذكر نقص حمض الفوليك الضروري لتكوّن الجهاز العصبي.
ويضيف الأطباء أن دخان القصف وحرق الحطب والمياه الملوثة تزيد مخاطر التشوهات خلال الحمل.
لكن الجواب العلمي الحاسم ما زال غائبًا، فقد ذكر تقرير للجزيرة نت أنه لم يجد في غزة أي خبير محلي متخصص في علم الأجنة، ولا مختبرات يمكنها فحص المواد السامة أو الإشعاعات التي قد تكون وراء موجة التشوهات.
وليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها السؤال، ففي أعقاب الحرب على غزة عام 2008 قالت منظمة "الضمير" إن حالات التشوه بين المواليد ارتفعت من 27 حالة في ثلاثة أشهر قبل الهجوم إلى 47 حالة في الفترة نفسها من العام التالي.
وحول الحوامل في غزة، تتراكم أزمات أخرى، فبحسب الوحيدي، سجّلت الوزارة في عام 2025 أكثر من 6 آلاف حالة وفاة داخل الرحم، ونحو 5 آلاف حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، إضافة إلى وفاة 450 طفلاً خلال الأسبوع الأول بعد الولادة.
أما في بيت نور، فقد تغيّرت الأيام منذ ولادتها، صار على فايقة وزوجها أن يتعلما كيف يرعيان طفلة تحتاج إلى عناية من نوع مختلف، في قطاع تتقلص فيه الخدمات الطبية وتغيب فيه برامج التأهيل والأطراف الصناعية، وكل ما تحتاجه نور من علاج ومتابعة هو في غزة اليوم أمر بعيد المنال.
