الحرب ليست دائماً مصلحة للطرف الأقوى، كما أن الهدوء ليس بالضرورة تعبيراً عن المحبة أو تحولاً سياسياً. ففي الصراعات الطويلة قد تصل الأطراف إلى مرحلة تصبح فيها كلفة استمرار الحرب اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً أعلى من المكاسب المتوقعة، وعندها يتحول الهدوء نفسه إلى مصلحة داخلية.
*في الحالة الإسرائيلية، يفرض استمرار الحرب تكاليف كبيرة مرتبطة بالإنفاق العسكري واستدعاء الاحتياط وتعطل النشاط الاقتصادي وارتفاع المخاطر وعدم اليقين*. لذلك، وبغض النظر عن نتائج أي انتخابات قادمة أو هوية الحكومة التي تتشكل بعدها، يمكن تصور سيناريو تصبح فيه مرحلة من الهدوء أكثر انسجاماً مع الحاجة إلى إعادة ترتيب الاقتصاد والحياة الداخلية.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته "اقتصاد شراء الهدوء". فعندما ترتفع تكلفة استمرار الصراع، قد يصبح الطرف الأقوى أكثر استعداداً لتقديم تسهيلات اقتصادية لم يكن مستعداً لها سابقاً، ليس بالضرورة نتيجة تغير سياسي، بل وسيلة لخفض التوتر وإطالة عمر الاستقرار.
وقد ينعكس ذلك فلسطينياً – إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية اللازمة – في زيادة تدفق البضائع والمواد الغذائية ومواد البناء والمحروقات، وتوسيع التجارة وتحسين الخدمات وإتاحة مساحة أكبر للنشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار. فالأسواق الممتلئة وفرص العمل والدخل قد تصبح جزءاً من أدوات إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ويمكن الاستفادة بحذر من تجربة تاريخية مختلفة جذرياً في ظروفها، وهي مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية. فقد دعمت الولايات المتحدة إعادة بناء اقتصادات أوروبا الغربية، بما فيها ألمانيا الغربية، لأهداف إنسانية واقتصادية وسياسية واستراتيجية، ولإعادة بناء اقتصادات مستقرة وقادرة على العمل والتجارة.
*أما فلسطين، فقد طورت عبر عقود الصراع ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد التأقلم": قدرة المجتمع على تغيير أنماط الإنفاق والعمل والتجارة، وإدارة نقص الموارد والأزمات*، ثم البدء من جديد بعد كل جولة صراع.
لذلك قد لا يكون مستقبل الاقتصاد الفلسطيني خطاً مستقيماً من الحرب إلى السلام، بل دورات من التصعيد والهدوء وإعادة البناء. والتحدي الأهم في فترات الهدوء هو تحويل أي انفراجة مؤقتة من مجرد تدفق للبضائع والاستهلاك إلى فرصة لإعادة بناء الإنتاج، وخلق فرص العمل، وترميم المؤسسات، وتقوية قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود أمام الأزمات المقبلة.
