سبسطية تحت التهديد: مشروع "إسرائيلي"يستهدف التراث والأرض ويزيد التوتر الاقتصادي

تشهد بلدة سبسطية شمال غرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة توترًا متصاعدًا بعد سلسلة قرارات "إسرائيلية" تستهدف السيطرة على مساحات واسعة من أراضيها وموقعها الأثري العريق، ما أثار موجة إدانات فلسطينية ودولية وتحذيرات من تبعات تهدد التراث الثقافي والحياة الاقتصادية للسكان.
وبحسب المصادر البلدية، في 17 نوفمبر 2025، تلقت بلدية سبسطية إخطارًا عبر الارتباط الفلسطيني من الاحتلال "الإسرائيلي"، يقضي باستملاك 1473 دونمًا من أراضي سبسطية وبرقة المجاورة، ضمن ما يُسمّى "المناطق الأثرية".

وبحسب رئيس البلدية، محمد عازم، يشمل القرار 570 قطعة أرض مزروعة بنحو 3000 شجرة زيتون تعود ملكيتها إلى السكان منذ العام 1956، وهي مصدر رزق رئيسي لعائلات البلدة، فضلاً عن احتوائها على منشآت سياحية ومرافق خدمية كانت توفر فرص عمل للسكان.
يُعد هذا القرار الأكبر في تاريخ استملاك الأراضي لأغراض المواقع الأثرية في الضفة الغربية، مقارنة بالقرارات السابقة التي لم تتجاوز عشرات الدونمات.

ويشير أمير داود، مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى أن حجم الاستملاك الضخم يعكس نية الاحتلال تحويل الموقع الأثري إلى مشروع استيطاني ضخم تحت غطاء تراثي.

ويضيف الاحتلال: يصف المشروع بمصطلحات إيجابية مثل "الحفاظ على الآثار وتطويرها"، إلا أن ما يحدث على الأرض يكشف عن مخطط استيطاني استراتيجي يهدف إلى فصل مدن شمال الضفة عن بعضها وتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وتشمل الخطط تحويل الأراضي المستهدفة إلى طرق تربط بين قطع الأراضي وأحواض أثرية، ما يسهل وصول المستوطنين ويجعلها منطقة محمية تحت سيطرة الاحتلال.
وينوه أن هذه الخطوات تتزامن مع مخطط أكبر لفصل نابلس عن جنين وطولكرم عبر مواقع عسكرية واستيطانية جديدة، ما يعكس هدف الاحتلال في إحكام سيطرته على شمال الضفة الغربية.

تهديد اقتصادي للسكان


ستؤدي هذه الإجراءات إلى خسارة مئات العائلات مصدر رزقها، خصوصًا من عائدات الزيتون الذي تعد أشجاره “رومية” وذات قيمة إنتاجية عالية.
كما سيؤدي القرار إلى إغلاق 25 منشأة سياحية فلسطينية تضم مطاعم ومقاهي ومتنزهات، وأغلق منها حتى الآن 9 بالفعل بسبب تراجع النشاط السياحي نتيجة الاقتحامات المتكررة من الاحتلال والمستوطنين.

يعتبر قطاع السياحة المصدر الرئيسي لدخل البلدة، إلى جانب موسم الزيتون، لذا فإن المخطط "الإسرائيلي" يهدد بشكل مباشر الاقتصاد المحلي واستقرار المجتمع، ما يجعل تأثيره مضاعفًا مقارنة بمصادرات سابقة في مناطق أخرى بالضفة.

وفى هذه  السايق يقول نصفت الخفش مختص في شؤون الاستيطان ،  أن الاحتلال لا يفوّت أي فرصة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، سواء كانت زراعية أو خالية أو أثرية ، و إن ذريعة تطوير موقع سبسطية الأثري ليست سوى محاولة لتزوير التاريخ وتسويق رواية الاحتلال المزيفة للعالم منوهاً ان هذه الخطوات تهدف إلى إلغاء الوجود الفلسطيني وإخفاء ارتباطه التاريخي بالأرض.

ويرى الخفش أن مصادرة 1,800 دونم من أراضي سبسطية خطوة عدوانية تُضاف إلى سلسلة طويلة من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير المعالم التاريخية والحضارية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسعى لإعادة صياغة الجغرافيا والذاكرة الفلسطينية عبر السيطرة على المواقع الأثرية وتغيير معالمها.

ودعا الخفش الفلسطينيين بكل فئاتهم إلى مواجهة هذه السياسات وفضحها على المستويين الرسمي والشعبي، وحثّ دول العالم على الضغط على الاحتلال لوقف اعتداءاته وجرائمه التي تطال البشر والحجر. وطالب المجتمع الدولي بالانتصار للعدالة والقانون الدولي وفرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية التي تواصل سياساتها العنصرية، فيما تتعرض القرى والمدن الفلسطينية لهجمات مستمرة من قبل مجموعات المستوطنين بحماية مباشرة من جيش الاحتلال وشرطته.

وفي سياق التهيئة القانونية، قدمت حكومة الاحتلال مشروع قانون "للكنيست" يسعى لتوسيع صلاحيات سلطة الآثار "الإسرائيلية" لتشمل الضفة الغربية، ما يشير إلى نية واضحة لفرض سيادة الاحتلال على المواقع الأثرية، رغم أن القانون الدولي يعتبر ذلك مخالفًا.

وقد خصصت الحكومة عام 2023 نحو 120 مليون شيكل لحماية المواقع الأثرية، إضافة إلى 32 مليون شيكل لموقع سبسطية وحده، ضمن ما يسمى بـ"حدائق توراتية"، في خطوة تعكس الطابع الاستيطاني للخطط "الإسرائيلية" تحت غطاء التراث.

أدانت منظمة "عيمك شفيه الإسرائيلية"، المتخصصة في حماية التراث الثقافي، قرار مصادرة الأراضي، محذرة من أن السكان سيقعون ضحية خسارة آلاف أشجار الزيتون ومصدر دخلهم الرئيسي. كما حذر ناشطون فلسطينيون من أن تحويل الموقع إلى ما يسمى "حديقة سامرة" يهدد التراث التاريخي والثقافي ويمهد لتغيير طبيعة الأرض وهويتها الفلسطينية.

الاستيطان وفرض السيطرة


ويؤكد الخبراء أن المشاريع الاستيطانية التي تُنفذ تحت ستار التراث الأثري تهدف بشكل رئيس إلى خدمة الاستيطان وفرض السيطرة على الضفة الغربية، وليس للحفاظ على التاريخ كما يروج الاحتلال.

تُعدّ سبسطية واحدة من أبرز المدن الفلسطينية ذات التاريخ العريق الممتد منذ العصر البرونزي والعصر الحديدي، حيث عاشت على أرضها شعوب الكنعانيين الأوائل، وشهدت لاحقًا مرور الإمبراطوريات الكبرى مثل الآشوريين والرومان والبيزنطيين، وصولًا إلى العصور الصليبية.

هذه الخلفية التاريخية الغنية جعلت من سبسطية مكانًا يزخر بالمعالم الأثرية التي تحمل بصمات الحضارات المتعاقبة، وتروي قصة فلسطين عبر آلاف السنين. من بين أبرز هذه المعالم: المدرج الروماني الذي كان شاهدًا على الحياة الثقافية والاجتماعية في الحقبة الرومانية، وشارع الأعمدة الذي يربط بين أرجاء المدينة القديمة ويعكس فن العمارة الرومانية الكلاسيكية، ومعبد أغسطس الذي يمثل التأثير الديني والسياسي للإمبراطورية الرومانية، بالإضافة إلى قصر الملك عمري.

وتضم البلدة كذلك كنيسة يوحنا المعمدان التي تعكس الطابع الديني المسيحي العريق للمنطقة، والبرج اليوناني ومقام النبي يحيى، ما يجعل من سبسطية ملتقى للثقافات والديانات المختلفة عبر العصور.

تحتل سبسطية موقعًا استراتيجيًا على طريق الحج المسيحي التاريخي الذي يربط القدس وبيت لحم والناصرة، الأمر الذي منحها أهمية دينية وسياحية كبيرة، وجعلها محطة محورية للمسافرين والحجاج على مر القرون. علاوة على ذلك، تاريخها الغني ومعالمها المتميزة يجعلها ليست مجرد موقع أثري، بل رمزًا حيًا للتراث الفلسطيني العريق، الذي يعكس التفاعل بين الإنسان والطبيعة والتاريخ عبر الحضارات المختلفة، ويؤكد أهمية الحفاظ عليها من أي محاولات تهويد أو مصادرة قد تمس الهوية الوطنية والثقافية للبلد.

ومع احتلال الضفة الغربية عام 1967، بدأت "إسرائيل" محاولات تهويد سبسطية عبر "تزوير" بعض المعالم ونقل القبور والتماثيل والأعمدة إلى متاحف الاحتلال، بهدف إضفاء صبغة يهودية على المكان، وفق وثائق وتقارير فلسطينية وأجنبية.

خطر الفصل  


التحليلات الفلسطينية تؤكد أن المشروع ليس محصورًا في سبسطية فحسب، بل جزء من مخطط شامل لفصل شمال الضفة الغربية، وفصل نابلس عن جنين وطولكرم، عبر مواقع عسكرية واستيطانية وطرق تفصل المحافظات، ما يزيد من عزلة المدن والقرى الفلسطينية ويحد من التنمية المحلية.

وتشير المصادر إلى أن المخطط "الإسرائيلي" يهدف إلى دمج المنطقة في مشروع "حدائق توراتية"، ويعد رديفًا لموقع "حومش" العسكري، الذي أعيد الاستيطان فيه بعد توقف منذ عام 2005.

يبقى التراث الفلسطيني في سبسطية، كما عبر سكان البلدة وناشطون، على المحك، في مواجهة مخطط "إسرائيلي" ممنهج يراهن على الوقت لصالح الاستيطان، في واحدة من أخطر المراحل التي شهدتها الضفة الغربية منذ الاحتلال عام 1967.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة