لم يُفاجِئ الفلسطينيين إعلان "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة أميركيًا وإسرائيليًا وقفَ عملياتها في قطاع غزة؛ فالخلاصة التي ترسّخت لدى الأهالي منذ الأشهر الأولى أن هذه المؤسسة لم تكن يومًا مظلة إغاثية، بل جزءًا من مسار التجويع والإبادة الذي فُرض على قطاع غزة خلال العامين الماضيين.
ومع ارتقاء 2650 شهيدًا واصابة 19,124 فلسطينيًا، فضلًا عن فقدان 200 شخص عند مراكز توزيعها حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدا واضحًا أن نشاطها لم يكن سوى واجهة لتنفيذ سياسات عقابية تستهدف المدنيين خلال محاولتهم اليائسة لالتقاط كيس دقيق أو وجبة بائسة.
ورغم أن بيان المؤسسة تحدث عن "نجاح المهمة" وتقديم ما يزيد على 187 مليون وجبة، إلا أن الفلسطينيين يتذكرون شيئًا آخر: المجازر اليومية أمام مراكزها، والرصاص الذي حوّل الساحات إلى "مصائد موت"، والركض المفجوع لآباء وأمهات يحملون أطفالهم المصابين بدل أكياس الطحين.
منظومة إغاثية مشبوهة
منذ ظهور المؤسسة في مايو/أيار الماضي بملف المساعدات عقب التضييق الإسرائيلي على الوكالات الدولية، وُضع المدنيون أمام آلية توزيع خالية من أي معايير حماية إنسانية. أربعة مراكز فقط يديرها هذا الكيان الهجين، مقارنة بـ400 مركز لوكالات الأمم المتحدة، وداخلها تُرك الناس مكشوفين بالكامل في محيط يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي، الذي لم يتوقف عن إطلاق النار عليهم "بذريعة الاقتراب من الجنود".
الحقيقة الأكثر خطورة أن المؤسسة عملت خارج أي تنسيق مع الأمم المتحدة او المؤسسات الاغاثية الدولية، ورفضت الإفصاح عن مصادر تمويلها، ووضعت مراكزها بعيدًا عن الكثافة السكانية، ما اضطر الغزيين إلى السير لساعات للوصول إليها، قبل أن يصبحوا فى مرمى مصائد الموت .
فى هذا السياق طالب عشرات الخبراء الأمميون بحلها فورًا، واتهموها بأنها “استُغلت لأغراض عسكرية وسياسية واضحة” في غزة، بينما وصفتها وزيرة الخارجية النمساوية بأنها "جهة غير موثوقة ولا صالحة للتعامل الإنساني".، فقيما نشرت مواقع اعلام عالمية تقرير تفيد بشبهة هذه المؤسسة دوليا ومحليا.
وبحسب الخبراء فان جوهر القلق لا يكمن في إعلان إنهاء عمليات المؤسسة، بل في توقيت الإعلان وصيغته والوثائق المسربة التي ظهرت بالتزامن معه.
فالمؤسسة أكدت أنها مجرد “مبادرة طوارئ مؤقتة”، لكن هذا الخطاب تزامن مع تسريبات خطيرة كشفتها وكالة "رويترز" حول وثيقة تدرسها واشنطن، تشير إلى خطة بديلة تحمل اسم “حزام غزة الإنساني”.
وثيقة مسربة
اوضحت "رويترز" أن الخطة – وفق الوثيقة – لا تتعلق بالإغاثة أصلًا، بل بإنشاء 12 إلى 16 مركزًا على طول المناطق التي انسحب إليها جيش الاحتلال داخل غزة، تعمل كمواقع “مصالحة طوعية” لتسليم السلاح، ومقارّ لقوات استقرار دولية مستقبلية.
بكلمات أوضح: الإعلان عن وقف عمليات المؤسسة قد يكون مناورة لإعادة تدوير المهمة، وتحويل “العمل الإنساني” إلى بوابة لفرض ترتيبات أمنية تخدم الاحتلال، وتُبقي القطاع تحت رقابة مشددة.
كما تحدثت الوثيقة أيضا عن استخدام طائرات مسيّرة لمراقبة القوافل، ومشاركة "دول عربية معتدلة" في إدارة هذه المراكز، في مشهد يلمّح إلى هندسة مرحلة ما بعد الإبادة، وليس إلى تخفيف معاناة الفلسطينيين.
مصادر أميركية قالت ل "رويترز" إن المقترح "ليس الخيار الوحيد"، بينما رفض البيت الأبيض والجيش الأميركي التعليق، ما يزيد الغموض حول الدور المقبل للمؤسسة أو لمن سيحل محلها.
خلال شهور عملها في القطاع، لم تُخفِ المؤسسة عجزها وفشلها في الوصول إلى المناطق المنكوبة، بل ساهمت – وفق شهادات ميدانية وتقارير أممية كما كشفت التجربة الميدانية أن المؤسسة، بدل أن تخفف الجوع، ضاعفته عبر تحويل عملية توزيع الغذاء إلى عبء يومي محفوف بالموت، إذ ركزت مراكزها في مناطق خطرة ومكشوفة تمامًا لخطوط النار وتحت مرمى الجنود، ما دفع الفلسطينيين لقطع مسافات طويلة نحو نقاط تُشرف عليها قوات الاحتلال بشكل مباشر.
ولم تكتفِ المؤسسة بذلك، بل تجاهلت عمدا التنسيق مع أي جهة إنسانية موثوقة أو ذات خبرة، لتتحول ساحات التوزيع إلى مناطق اشتباك مميتة يتساقط فيها الرجال والنساء والأطفال برصاص الاحتلال عند كل محاولة للحصول على كيس طحين أو وجبة غذاء.
ولم يتحوّل مشهد الأطفال الذين قُتلوا برصاص الاحتلال وهم يركضون نحو الدقيق إلى "أرقام"، بل إلى دليل دامغ على تواطؤ بنية كاملة.
بل إن تقديرات خبراء مستقلين تشير إلى أن إعلان وقف العمليات اعلان "ملغوم" ومصمّم لتهيئة المرحلة التالية، وأن المؤسسة قد تعود بمسمّى آخر وبدور أشد شراسة في هندسة السيطرة على الغذاء والحدود وحركة السكان داخل القطاع.
لم يكن عمل "مؤسسة غزة الإنسانية" عملًا تقنيًا ولا إنسانيًا بأي معنى، بل جاء كامتداد مباشر لمنهج التجويع الذي رافق القصف والنسف في الحرب، ليصبح التجويع أداة موازية للإبادة. فمنذ دخولها القطاع، تحولت المؤسسة إلى جزء من آلية عقاب جماعي تستهدف الرجال والأطفال والنساء عبر حرمانهم من الغذاء، أو دفعهم إلى مناطق خطرة للحصول عليه.
ومع تقليص دور الأمم المتحدة وتقييد وكالات الإغاثة المحايدة، بدا واضحًا أن المؤسسة صُممت لتتولى عبئًا إنسانيًا ضخمًا، لكن تحت إدارة أميركية – إسرائيلية، ما جعلها أداة تستخدمها القوى المسيطرة لإدارة حياة السكان الفلسطينيين وابتزازهم. هذا التحول لم يكن بريئًا؛ فقد أسهم في خلق حالة فوضى اجتماعية مقصودة يمكن توظيفها لاحقًا لفرض ترتيبات سياسية وأمنية على غزة، في إطار ما يصفه خبراء بالهندسة الممنهجة للواقع الإنساني.
وفي المحصلة، لم تُقدّم المؤسسة الإغاثة للفلسطينيين بقدر ما عمّقت معاناتهم وشاركت بوضوح في المنظومة التي صنعت الجوع والقهر والإبادة.
ما يظهر اليوم أن "انتهاء المهمة" ليس ختامًا لعمل إنساني، بل إعلانًا سياسيًا وأمنيًا يهدف إلى تجميل سجلّ ملوث بالدم، وإعادة صياغة الدور في مرحلة جديدة. والمؤشرات كلها تدل على أن ما يجري ليس خروجًا من غزة، بل عودة بأدوات مختلفة، في وقت يستمر فيه الاحتلال بفرض المجاعة والنزوح والقتل.
