خاص _ شهاب
لم تكن شجرة الزيتون في غزة يومًا مجرد محصولٍ موسمي، إنما كانت ذاكرةً واقفة على قدمَيها، وجذورًا تضرب عميقًا في الأرض كما في الإنسان.
في الحرب الأخيرة، لم تسقط المباني وحدها، إنما سقطت حكايات عمرٍ كامل، من بينها حكاية رجل الأعمال الفلسطيني وتاجر الزيتون نصر أبو عودة، الذي وجد نفسه فجأة أمام خسارة أربعين عامًا من العمل المتواصل، دون أن يخسر إيمانه بالعودة.
يقول أبو عودة خلال حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، إن هذه الحرب لم تكن قاسية عليه وحده، إنما على كل بيت في قطاع غزة، "كل واحد فينا خسر الكثير"، بهذه الجملة يلخص واقعًا عامًا، لكنه سرعان ما ينتقل إلى فاجعته الخاصة قائلًا: "فقدت عددًا من أبنائي، ثم فقدت ما بنيت معهم حجرًا فوق حجر، مرارة الفقد الشخصي امتزجت بمرارة الخراب الاقتصادي، فصار الألم مضاعفًا، إنسانيًا ومهنيًا.
على مدار أكثر من أربعة عقود، لم يترك الرجل ساعة دون استثمارها في بناء "معاصر أبو عودة"، الاسم الذي عرفه أهالي القطاع، وارتبط لديهم بجودة زيت الزيتون وثباته.
امتلك الحاج نصر أبو عودة معاصر موزعة على امتداد غزة، تعمل بكامل طاقتها، وتشكّل عصبًا مهمًا لقطاع الزراعة والصناعة الغذائية، لكن الحرب أوقفت كل شيء.
أكبر تلك الخسائر حسب حديثه كانت المعصرة الرئيسية قرب وادي غزة، التي كانت تُعدّ إنجازًا صناعيًا متقدمًا بمعايير محلية وإقليمية، بلغت تكلفة هذه المعصرة نحو عشرة ملايين دولار، واحتوت على سبعة خطوط إنتاج بطاقة تصل إلى عشرين طنًا في الساعة، وبشهادات جودة عالمية، لم تكن مجرد منشأة، إنما منظومة متكاملة تجمع بين التقنية الحديثة وخدمة المزارع الفلسطيني.
قبل الحرب، نجح أبو عودة في تصدير زيت الزيتون إلى دول عربية وأوروبية، بعدما استورد أحدث تقنيات العصر، وبعضها غير متوفر حتى في دول الشرق الأوسط، أجهزة تقيس نضج الثمرة، وجودة الزيت، وتقدّم للمزارع نصائح فنية دقيقة، لتتحول حبات الزيتون إلى منتج بمواصفات عالمية، كل ذلك انتهى في لحظة، بعدما دُمّرت المعاصر، وخسر هو وشركاؤه خمس معاصر موزعة في أنحاء القطاع.
"الحرب أعادتنا إلى ما تحت الصفر"، يقولها أبو عودة بمرارة، وهو يصف خراب المصانع، وتلاشي الأحلام، وانهيار البيئة الاقتصادية بالكامل في غزة، لكن وسط هذا السواد، لا يتوقف صوته عند حد الخسارة.
في خاتمة حكايته، يصرّ الرجل على وعدٍ يشبه التحدي قائلًا: سنعود من جديد، سنبني المعاصر، ونعيد تشغيل المصانع، ونعمر غزة من جديد، يعترف بصعوبة الظروف، لكنه يؤمن بأن الإرادة قادرة على كسر المستحيل، كما كسرت شجرة الزيتون كل المواسم القاسية، فكما يبقى الزيتون حيًا رغم الجفاف، يبقى أهل غزة، ورجالها، قادرين على البدء من جديد.
