لم تتوقف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة عند حدود النزوح والدمار وفقدان الأحبة، بل امتدت لما يُعرف اليوم بين السكان بـ"الخط الأصفر"، وهو حدّ فُرض ميدانيًا من قبل قوات الاحتلال لمنع المواطنين من الاقتراب من منازلهم أو أراضيهم شرقي القطاع.
يمتد هذا الخط بشكل متقطع على طول غزة، وبات أشبه بحدود داخلية تفصل الناس عن ما تبقى من حياتهم وذكرياتهم وممتلكاتهم.
بالنسبة لكثير من السكان، لم يعد الأمر يتعلق بمنزل مدمّر أو أرض محروقة، بل بحق بسيط في الاقتراب، في رؤية ما تبقى، أو حتى حمل ورقة مدرسية أو قطعة قماش كانت على سرير طفل.
معاناة قاسية
شرق مدينة دير البلح وسط القطاع، يقف الحاج سالم النجار 60عاما ،أمام أرضه المجرفة التي لم يبق منها سوى بقايا جذور مكسّرة وطين يابس يحمل آثار مجنزرات الاحتلال، ينظر إليها كما ينظر الأب لابنه الجريح، ثم ينحني ويلتقط حفنة تراب، يشمّها كما لو أنه يستعيد بها ذاكرة ثلاثة أجيال.
يقول النجار لشهاب بصوت متماسك رغم الألم:"هذه الأرض عمر كامل.. كانت مليانة زيتون وبرتقال.. اليوم صارت تراب فاضي، بس راح نرجع نزرعها.. هذا مش خيار، هذا واجب."
يبتعد الحاج سالم عن الخط الأصفر مسافة لا تتجاوز عشرات الأمتار، حيث يقف جنود الاحتلال خلف آلياتهم المدججة بالسلاح، يمنعون أي محاولة اقتراب.
قبل أسابيع حاول الدخول ليفحص ما تبقى من أشجاره، لكنه قُوبل بإطلاق نار فوق رأسه، ليعود بخطوات ثقيلة وعيونه معلقة بما فقده.
ورغم ذلك، لا يبدو الرجل مستسلماً، يقول وهو يشير إلى الأرض المجروفة بعصاه الخشبية:
"يمكن دمروا الشجر واقتلعوا الجذور.. بس ما بقدروا يقتلعوا علاقتنا فيها. أول فرصة بسمحوا فيها بالدخول راح أرجع، راح نغرس شتلات جديدة، زيتون وبرتقال وحمضيات.. وراح يرجع فيها الخير."
خوف وحرمان
على مسافة قصيرة من الخط الأصفر في مخيم جباليا شمال شرق قطاع غزة، يعيش فارس الغرة 45عاما، في خيمة مهترئة أقامها فوق أرض كان قبل عامين يسير فيها مطمئنًا نحو منزله. اليوم، أصبح منزله مجرد ركام، والخيمة البديلة لا تمنحه لا أمانًا ولا دفئًا، لكنها المكان الوحيد الذي يسمح له بالبقاء قريبًا من ذاكرته التي حاول الاحتلال محوها.
الغرة لا يفصل بينه وبين منزله سوى بضع مئات من الأمتار، لكن هذه المسافة تحولت إلى حاجز خطير بفعل إطلاق النار المستمر من آليات الاحتلال والطائرات المسيرة. يصف حياته قرب الخط قائلاً:"الخوف ما بيفارقنا. حتى وإحنا داخل الخيمة بنسمع الطلقات والانفجارات.. مرات بحس إنه الدور علينا."
مع حلول الليل، تتضاعف المخاطر، إذ يزداد نشاط الاحتلال، وتسمع أصوات التفجيرات الناتجة عن نسف ما تبقى من مبانٍ قرب المنطقة. يقول بنبرة مرهقة:
"بالليل ما بنام.. بحس كل شيء حوالينا ممكن ينسف بأي لحظة. بس بنضل هون.. لأنه إذا تركنا المكان يمكن ما نرجع إله أبداً."
ورغم الخوف والحصار والقرب الخطير من الخط العسكري، يتمسك الغرة بالأمل في العودة إلى منزله المدمّر ليحوّله إلى مكان يمكن العيش فيه ولو جزئيًا. يضيف وهو يشير بيده نحو الركام الذي كان يومًا جدرانًا وسقفًا؛ قائلا: "بيتي مش بيت.. صار ذكرى. بس لو يسمحوا بس خمس دقايق أدخل، آخذ اللي ضل، وأرتب المكان. حتى لو ما ضل غير غرفة وحده صالحة، راح أعيش فيها."
ومع كل صباح، يحاول الغرة التقدم خطوة نحو ما تبقى من منزله، لكن السيطرة العسكرية تمنعه، فيضطر للعودة إلى خيمته التي لا تحجب الرصاص ولا البرد ولا الخوف. ومع ذلك ما زال يتمسك بجملة يكررها رغم كل شيء:
"يمكن اليوم ممنوع، ويمكن بكرة.. بس أكيد في يوم راح أرجع وأسكن في بيتي ولو بين الحجارة."
انتهاكات متواصلة
ورغم إعلان فترات وقف إطلاق النار، بقيت المناطق القريبة من هذا الخط تشهد إطلاق نار متكرر، ما أدى لارتقاء شهداء وجرحى بمجرد اقترابهم من حدود ذلك الخط حتى أن بعض أصابه رصاص الاحتلال قبل وصوله لنقطة الخط بعشرات الأمتار.
منظمات حقوقية وثقت حوادث إطلاق نار وصفها مختصون بأنها محاولة لفرض سياسة ردع تمنع العودة وتثبّت واقعًا جغرافيًا جديدًا داخل القطاع.
في المقابل، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من أن الخط الأصفر يمثل "تقسيماً ميدانياً" قد يتحول إلى منطقة عسكرية دائمة، الأمر الذي سيحرم آلاف العائلات من أراضيها، ويعرقل أي جهود لإعادة الإعمار أو استعادة الحياة الطبيعية. كما طالبت مؤسسات حقوقية بفتح ممرات آمنة والسماح للسكان بالوصول لمنازلهم احترامًا للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل حرية الحركة وحق العودة للممتلكات.
منظمات إنسانية دولية اعتبرت أن استمرار منع المواطنين من الاقتراب من منازلهم لم يعد يبدو كإجراء مؤقت مرتبط بالعمليات العسكرية، بل خطوة نحو واقع جديد يشبه العزل الميداني طويل الأمد، شبيهًا بالمناطق الأمنية التي فُرضت تاريخيًا في الأحياء الفلسطينية قرب الجدار أو المستوطنات.
النتيجة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية لهذا الوضع تتفاقم يومًا بعد يوم؛ آلاف المنازل أصبحت خارج نطاق الوصول، والمزارعون فقدوا القدرة على الزراعة والحصاد، وعائلات كاملة تعيش على مرمى بصر من منازلها دون قدرة على الوصول إليها، بينما تنتشر مخاوف واسعة من أن يتحول هذا الخط إلى حد دائم يعيد رسم خرائط السيطرة داخل القطاع.
في النهاية، لم يعد "الخط الأصفر" مجرد شريط ملون أو تعليم عسكري. لقد أصبح رمزًا جديدًا للمنع والإقصاء وحرمان الناس من أبسط حقوق الحياة، وجرحًا آخر يضاف إلى سلسلة طويلة من الألم في غزة. وبين انتظار السكان، وصمت العالم، وتمسك الاحتلال بإجراءاته، يبقى السؤال معلقًا: هل سيبقى الخط مؤقتًا، أم أنه مقدمة لواقع جديد يعيد تشكيل غزة وذاكرتها وحدودها؟.
