تحوّلت بلدة ترقوميا، الواقعة غربي الخليل جنوبي الضفة الغربية خلال عام واحد فقط إلى نموذج مكثف لما تعيشه القرى الفلسطينية اليوم من خنق اقتصادي، ومطاردة زراعية، وتمدّد استيطاني، يحكم قبضته على هواء البلدة حتى باتت "تتنفس بصعوبة".
فحالة "السُعار الاستعماري الاستيطاني" الذي يجتاح الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ترسخت بشدة فى ترقوميا ، مرورًا بهجمات المستوطنين، وصولًا لسياسات المصادرة والهدم التي تنفذها "حكومة الاحتلال" تحت إدارة "بتسلئيل سموتريتش" .
جدار وحاجز ومستوطنتان وبؤرة
تقع ترقوميا على بعد 12 كيلومترًا من مدينة الخليل، تمتد عبر وادي القف وصولاً إلى معبر ترقوميا الذي يفصلها عن الأراضي المحتلة عام 1948. شمالًا، يقف الجدار على أراضي جمرورة، وجنوبًا يقطع الشارع الاستيطاني (60) التواصل بينها وبين بلدة إذنا. وعلى السفوح الشرقية تجثم مستوطنتا تيلم وأدورا منذ عام 1982، وفي تموز/يوليو 2025 أضيف إلى المشهد بؤرة استيطانية جديدة على أراضي الطيبة.
وكأن هذا المشهد المتداخل من الحواجز والمستعمرات والبؤر ليس كافيًا، إذ يستكمله الاحتلال بمسار آخر من “التمكين الاستيطاني” عبر التوسع الصناعي المدعوم من رأس المال الخاص، والذي ابتلع خلال السنوات الأخيرة ما تبقى من الأراضي الزراعية الخصبة للبلدة، في ما يصفه الباحثون بأنه “خنق مزدوج”: خنق الأرض، وخنق الناس.
و بحسب مصادر تاريخية تعود تسمية ترقوميا، إلى "أرض القرى الأربع"، أي كفار عتا، ناحل تلم، كفار حيرف، وخربة بيت نصيب. وفي رواية أخرى، هي "القرى الثلاث" ،بينما تقترب الرواية الشفوية من التاريخ العسكري، إذ تربط الاسم بمعركة أجنادين عام وقصة المقاتل "أمية" الذي بقي في المنطقة، فحُرفت عبارة "تركوا أمية" إلى اسمها الحالي.
تبلغ مساحة البلدة 21 ألف دونم، منها 12 ألف زراعية و4600 دونم مراعي وغابات و2200 دونم أراضٍ سكنية. صودِر منها 2000 دونم لصالح المستوطنات عام 1982، واقتُطع جزء آخر للحاجز والجدار والشارع الالتفافي ومحمية وادي القف.
وكان حاجز ترقوميا قد شهد واحدة من أبرز الجرائم الإسرائيلية في آذار/مارس 1998، حين أعدم جنود الاحتلال ثلاثة عمال فلسطينيين داخل مركبتهم خلال توجههم للعمل. وفي عام 2007 أُعيد تشغيل الحاجز كمعبر تجاري ضمن مسار "السلام الاقتصادي"” الذي روّج له رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، متزامنًا مع مشاورات لإقامة منطقة صناعية "لا تعترف بالحدود"، وفق وزير الاقتصاد الأسبق خالد العسيلي.
ضغط رأس المال
كان وادي القلمون من أخصب المناطق الزراعية في الضفة الغربية. لكن تراجع الدخل المتأتي من الزراعة مقارنة بالعمل في إسرائيل دفع شرائح واسعة من الأهالي لترك الأرض. هذا التحول التقطه بسرعة رجال أعمال من مدينة الخليل، فعرضوا شراء الأراضي بأسعار مغرية لإقامة مصانع. وعلى الرغم من تحذيرات السكان من مخاطر إقامة مصانع بالقرب من البيوت، إلا أن الحاجة الاقتصادية كانت أقوى من كل اعتراض.

ومع ضغط رأس المال، صادقت حكومة رامي الحمد الله عام 2017 على إنشاء مدينة صناعية في المنطقة. أدى ذلك إلى تسارع عمليات البيع، فأصبحت المنطقة تُعرف اليوم بـ"شارع المصانع"، فيما هجرت مهنة الزراعة تدريجيًا. وساهمت هذه المصانع –وفق شهادات الأهالي وتقارير صحافية– في تلوث المنطقة وإصابة أطفال بأمراض خطيرة بينها السرطان، إلى جانب علاقات شراكة إسرائيلية داخل بعض المصانع.
بالتدريج، أصبح 70% من دخل البلدة مرتبطًا بالعمل داخل إسرائيل أو بالأنشطة التجارية المتصلة بالحاجز. ومع إغلاقه المتكرر خلال السنوات الأخيرة، تدهورت الحالة الاقتصادية، ليجد كثيرون أنفسهم بلا أرض وبلا عمل.
ترقوميا في عين العاصفة
وفى هذا السياق يقول الباحث أمير داوود :"لم تكن ترقوميا بمنأى عن جنون ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فبعد أسبوع فقط من ذلك التاريخ، تعرضت منطقة الطيبة لتدمير ممنهج، هدم 11 منزلًا، قطع ألف شجرة، واقتلاع 1500 دالية عنب في واحدة من أخصب مناطق البلدة".
ويضيف مع تصاعد الهجمات، اضطر المزارعون لترك بيوتهم والعيش داخل أراضيهم في “بيوت صفيح” لحراستها بما يعرف بـ"التعزيب". لكن الاعتداء الأكبر جاء بعد عملية الشاب مهند العسود في أيلول/سبتمبر 2024، حيث انتقم المستوطنون بتدمير 47 منشأة زراعية في الطيبة.
لم تتوقف الهجمة عند ذلك، فقد مُنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم تحت ذريعة “التنسيق”، بينما كانت الجرافات تُكمل سلب الأرض. وفي تموز/يوليو 2025، أُقيمت بؤرة استيطانية جديدة، تلاها قرار عسكري بمصادرة 12 دونمًا مزروعة بالأشجار الحرجية مع إلزام الأهالي بقلع الأشجار بأيديهم قبل تجريفها.
محطة للعنف الاستيطاني
ويوضح تحولت البؤرة الاستيطانية الجديدة إلى مركز إطلاق للهجمات على منازل المواطنين، خصوصًا في منطقة “شعب نزال”، حيث شهد السكان محاولات حرق للمنازل، وخلعًا للأبواب، وكتابة شعارات عنصرية، ورفع الأعلام الإسرائيلية فوق أسطح البيوت. وفي أيلول/سبتمبر الماضي، اعتدى المستوطنون على وادي عابد وحاولوا سرقة الأغنام من الأهالي.
وفي مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حاول مستوطنون حراثة أراضٍ في وادي الجلايطة ودير قطي تمهيدًا للاستيلاء عليها، لكن وجود الأهالي في أراضيهم أجبرهم على الانسحاب، قبل أن يعاود المواطنون حراثتها.
اقتصاد مخنوق
وينوه لم تكن السياسة الزراعية وحدها أداة الخنق، إذ أدى إغلاق حاجز ترقوميا مرارًا إلى انهيار مصادر الدخل الأساسية. ومع الاعتماد شبه الكامل على العمل داخل إسرائيل، وجد الأهالي أنفسهم أمام فراغ اقتصادي حاد: الأرض صودرت أو بيعت، والعمل توقف، والمصانع لم توفر حلًا اقتصاديًا مستدامًا بل أضافت أعباء بيئية وصحية.
وترتبط هذه الحالة بما يصفه داوود بـ"التواطؤ البنيوي" بين الجيش والمستوطنين ورأس المال الاستيطاني، إذ يتحرك الثلاثة في مسار واحد هدفه إحكام السيطرة على الأرض وإفراغها من أصحابها.
ويوكد داود أن ما يحدث في ترقوميا هو صورة مكبرة لما يمر به آلاف الفلسطينيين في القرى والبلدات الحدودية في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن خصوصية ترقوميا تكمن في أن تبعيتها الاقتصادية لإسرائيل جعلت الخنق أعمق، وأسرع، وأكثر إيلامًا. فالمزارعون خسروا آخر ما تبقى من أراضيهم، وأُغرقت البلدة بالبؤر الاستيطانية، بينما يتعرض أهلها لاعتداءات يومية.
نموذج مقاوم جديد
إن تحليل مشهد ترقوميا بكل تعقيداته—من التوسع الصناعي على حساب الزراعة، إلى الهجمات الاستيطانية، إلى السيطرة العسكرية—يدفع إلى سؤال مركزي: كيف يمكن للقرى الفلسطينية استعادة أدوات المقاومة الشعبية؟
الإجابة لا تبدو سهلة، لكنها تبدأ من إعادة الاعتبار للأرض كمصدر صمود، واستنهاض التنظيم المجتمعي القادر على حماية ما تبقى من الأراضي المفتوحة في مواجهة "السعار الاستعماري" الذي لا يهدأ.
