يواجه التعليم في التجمعات البدوية بالضفة الغربية ضربة مباشرة تهدد مستقبل الأطفال، في ظل سياسات الاحتلال والمستوطنين التي تسعى لخنق فرص التعلم. تتجسد هذه السياسات في هدم المدارس، ومنع بنائها، وفرض عقبات تمنع الطلاب من الوصول إلى صفوفهم الدراسية، ما يحوّل حق التعليم الأساسي إلى تحدٍ يومي يواجهه الطلبة والمعلمون في مناطقهم على حد سواء.
وفق تحديثات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، هناك 84 مدرسة فلسطينية تواجه أوامر هدم معلّقة، منها 55 مدرسة مهددة بالهدم الكامل، و30 مدرسة مهددة بالهدم الجزئي، وتخدم هذه المدارس نحو 12,855 طالباً، بينهم 6,557 فتاة، ويعمل فيها 1,089 معلماً.

معاناة مزدوجة
في مدرسة بدو الكعابنة شمال أريحا، تحوّلت الحياة التعليمية إلى حالة من التوتر والترقب الدائم، في ظل الاقتحامات المتكررة من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين، الذين يحاولون بث جو من الرهبة في صفوف الطلبة.
ويشهد محيط المدرسة، بحسب إدارتها، التي يتعلم فيها نحو 74 طالبًا، مراقبة مستمرة من حرس إحدى المستوطنات، يقوم بإبلاغ الجيش بأي حركة يراها غير اعتيادية.
ويواجه الطلاب والمعلمون في بدو الكعابنة معاناة مزدوجة؛ فبالإضافة إلى التهديدات الأمنية، يمنع الاحتلال أي عمليات صيانة أو ترميم للمرافق المدرسية، في حين يستمر المستوطنون في التواجد المحيط بالمدرسة، ما يزيد من شعور الطلبة بالخوف والقلق. كما تعاني المدرسة من نقص الدعم الحكومي، بما يعكس هشاشة الخدمات التعليمية في التجمع ككل.
ولا يقتصر خطر التعليم على مدرسة الكعابنة وحدها، إذ يواجه أكثر من 200 طالب في المنطقة "ج" خطر فقدان فرصهم التعليمية نتيجة تهجير مجتمع بدو المعراجات الشرقي، بينما صدر أمر هدم للمدرسة الوحيدة في جورة الجمل بجنوب تلال الخليل، والتي تخدم 130 طالبًا. كما تتعرض المدارس في التجمعات البدوية لأوامر هدم مستمرة من سلطات الاحتلال، مما يعيق قدرة المجتمع على إنشاء مدارس جديدة، ويهدد استمرار العملية التعليمية.
إضافة إلى ذلك، تتعرض بعض المدارس لهجمات من المستوطنين، بما في ذلك رشق الحجارة والتعدي على الممتلكات، ما يخلق بيئة خوف وقلق تعيق العملية التعليمية اليومية للطلاب والمعلمين على حد سواء. ويؤدي التهجير القسري لسكان هذه التجمعات إلى توقف الطلاب عن الالتحاق بالمدارس، إذ يُفقد المجتمع استقراره، ويتعطل التعليم كحق أساسي للأطفال.
وتؤكد المصادر أن صمود التجمع وبقاء سكانه يمثل حجر عثرة أمام عمليات البناء الاستيطاني، ما يستدعي استمرار الدعم لهم، وتكثيف الزيارات الميدانية من الجهات الرسمية والدولية، لضمان استمرار حق التعليم وحماية مستقبل الأجيال القادمة.
من جانبه، يصف مشرف منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، الواقع التعليمي في التجمعات البدوية بأنه "قاسٍ وصعب للغاية"، موضحًا أن المدارس هناك تفتقر إلى بنية تحتية ملائمة، وتعاني من نقص حاد في الوسائل التعليمية والكوادر التربوية والإدارية.
وأضاف أن غياب المدارس القريبة يجبر الطلبة على قطع مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى مقاعد الدراسة، ما يفاقم نسب الغياب والتسرب.
حرمان البدو
ويرى مليحات أن حرمان البدو من التعليم لا يقتصر على الجانب الخدمي، بل يمتد ليشكل خطرًا على الوعي الوطني المنظم لأبناء هذه التجمعات، وقدرتهم على فهم قضيتهم والدفاع عن حقوقهم.
وأشار إلى أن نحو 212 تجمعًا بدويًا في الضفة الغربية تعيش أوضاعًا شديدة الصعوبة بفعل سياسات التهجير القسري، واقتحامات واعتداءات المستوطنين المتكررة، فضلًا عن ممارسات قوات الاحتلال.
وأوضح أن هذه التجمعات تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمياه والكهرباء، إلى جانب انعدام حرية الحركة الآمنة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين التي باتت تهدد حياة السكان بشكل مباشر، ولا سيما الأطفال والنساء الذين يتعرضون، بحسب وصفه، لعنف ممنهج وظروف فقر مدقع دون أي أفق لتحسن قريب.
وأكد مليحات أن ما يتعرض له البدو الفلسطينيون يندرج في إطار نظام فصل عنصري، يتجلى ليس فقط في الممارسات اليومية، بل أيضًا في البنية القانونية التي تفرض قوانين مختلفة على الفلسطينيين مقارنة بالمستوطنين.
من جانبه، يقول أحمد حنيطي، مدير المشاريع الميدانية في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، إن واقع التعليم في التجمعات البدوية المصنفة ضمن المناطق (ج)، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والأمني والاقتصادي الذي يحيط بهذه التجمعات، موضحاً أن الحديث هنا لا يتعلق فقط بغياب مبانٍ مدرسية ثابتة، بل بهشاشة منظومة تعليمية كاملة تعيش تحت تهديد دائم.
ويشرح حنيطي أن بعض التجمعات تضم مدارس داخلها، لكن هذه المدارس تعاني نقصاً حاداً في البنية التحتية، ومع ذلك فإن وجودها يبقى عاملاً مهماً سهّل وصول الطلبة إلى التعليم، مقارنة بتجمعات أخرى تفتقر تماماً لأي مرفق تعليمي.

ويضيف أن المدارس في هذه المناطق تُعد من الأكثر تعرضاً للانتهاكات؛ فعند إغلاق الحواجز تتعطل العملية التعليمية بالكامل، وأي تطور سياسي أو نقابي أو اجتماعي ينعكس فوراً عليها، إذ تكون غالباً أول المتضررين من الإضرابات أو التعطيل.
أما في التجمعات التي لا تتوافر فيها مدارس، وهي الأكثر عدداً، فيضطر الطلبة إلى الانتقال لمدارس مجاورة، إما سيرًا على الأقدام لمسافات قد تصل إلى 2 أو 3 أو حتى 5 كيلومترات، مثل طلبة تجمع المعرجات من بدو الكعابنة ومنطقة مغير الدير، الذين كانوا يعتمدون على حافلة تقلهم إلى المدرسة، لكنها كانت تتعطل كثيرًا، وقد تتوقف لشهر أو شهرين، ما يهدد انتظامهم الدراسي.
ويؤكد أن صعوبة وصول المعلمين والطلبة بسبب إغلاق الطرق أو منع المرور من قبل الجنود أو المستوطنين تمثل تحديًا يوميًا إضافيًا.
وحول الدراسة داخل الخيام والكرفانات، يوضح حنيطي أن الطلبة يواجهون ظروفًا بيئية قاسية؛ ففي الصيف ترتفع درجات الحرارة داخل الكرفانات إلى مستويات مرهقة، وفي الشتاء تصبح شديدة البرودة، ما يؤثر على التركيز والقدرة على التعلم.
ويشير إلى أن الطابع المؤقت للكرفانات يعزز شعورًا بعدم الاستقرار لدى الطلبة، إذ يوحي بأن وجود المدرسة ذاته غير دائم، ما يترك أثرًا نفسيًا عميقًا ويضعف الإحساس بالانتماء لبيئة تعليمية آمنة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب حنيطي، على التعليم فقط، بل يمتد إلى سؤال الوجود ذاته؛ فالطلبة يواجهون في مدارسهم ما يواجهونه في منازلهم من إخطارات هدم، واقتحامات، ومنع بناء أو توسعة. هذا التراكم يخلق حالة عامة من عدم الاستقرار، ويغذي لدى الطفل تساؤلات حول مستقبله ومصيره في المكان الذي يعيش فيه.
إذلال للمعلمين
يؤكد حنيطي أن الأطفال لا يشعرون بالأمن الكامل داخل المدرسة أو في طريقهم إليها. فقد تعرضت تجمعات عديدة لاقتحامات واعتداءات من الجيش والمستوطنين، وشهدت حالات اعتداء جسدي وإذلال للمعلمين أمام طلبتهم، إضافة إلى منعهم من الوصول إلى المدارس. كما تم توقيف مركبات المعلمين وإذلالهم على الطرق، ومنع الطلبة أنفسهم من المرور، وتعرض بعضهم للترهيب والاعتداء، بما في ذلك الاعتداء على حافلات المدارس.
ويضيف أن الخوف بات حاضرًا حتى لو كانت المدرسة تبعد 50 إلى 100 متر فقط عن المنزل، في ظل التواجد اليومي للمستوطنين حول التجمعات. ويزداد التحدي مع اقتصار التعليم في بعض المدارس على الصف التاسع أو السادس أو السابع، ما يضطر الطلبة إلى الانتقال لمناطق أخرى لإكمال تعليمهم، في رحلة تبقى محفوفة بالمخاطر، الأمر الذي دفع قرابة 90% من العائلات في بعض التجمعات إلى الهجرة خوفًا على أبنائها.
ويقدّر حنيطي أن نحو 90% من طلبة التجمعات البدوية تأثروا سلبًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، مقارنة بنحو 70% في القرى الفلسطينية الأخرى، في ظل تدهور اقتصادي ممنهج دفع بعض الطلبة للتساؤل عن جدوى التعليم مع تراجع فرص العمل حتى بين خريجي الجامعات. ومع ارتفاع تكاليف المواصلات وضعف القدرة الاقتصادية، باتت بعض الأسر تعيد التفكير في استمرار أبنائها بالتعليم.
أما بشأن المدارس المهددة، فيقول إن الإحصائيات الرسمية غير متوفرة، لكن معظم مدارس التجمعات البدوية عليها إخطارات هدم، ومن بينها مدرسة كابون في عين سامية، ومدرسة المعرجات، ومدرسة شلال العوجا، ومدارس مسافر يطا، ومدرسة عين أيوب بين بيت عنان وبيت لقيا، وهي مدارس تمثل ما يُعرف بمدارس التحدي.
ويشدد على ضرورة خلق التفاف مجتمعي حول التعليم في تجمعات معزولة مثل "البلقا"، وإشراك الأهالي، وبناء تنسيق شامل بين المؤسسات والمجتمع لضمان مستقبل تعليمي أكثر استقرارًا للأطفال في هذه المناطق الهشة.
