خاص - غزة
مع خروج "المحامي" مؤمن الناطور من قطاع غزة ووصوله أوروبا خلال ذروة الحرب، تفجرت أسئلة لم تهدأ حتى اليوم: كيف خرج؟ من ساعده؟ ولماذا ظهرت أسماء وشخصيات ومؤسسات مثيرة للشك في قلب المعادلة؟.
التقرير التالي يتتبّع—بالاستناد إلى اعترافات الناطور، والوثائق والصور المسرّبة، وتحليل الخبراء—مسار التهريب الذي جمع بين شبكات "تطبيع" في الغرب، وأذرع إعلامية وأمنية مرتبطة بالاحتلال، ومجموعة محلية عميلة شرق رفح.
لأول مرة، تتضح صورة شبكة متكاملة تحرّكت لإخراج "رجل" تحوّل إلى “أصل نافع” في مشروع سياسي–أمني أكبر من حدود غزة.
الشرارة التي فجّرت الملف — صور من شرق رفح
بدأت الخيوط تتكشف عندما تسربت صور لمؤمن الناطور داخل مناطق شرق رفح، يحمل السلاح إلى جوار عناصر من مجموعة العميل ياسر أبو شباب.
هذه المجموعة معروفة منذ بداية الحرب بأنها: تقدّم إحداثيات ميدانية للاحتلال، وتشارك في مهام أمنية قرب الحدود، وتعمل كشبكة محلية متعاونة مع جيش الاحتلال.
ظهور الناطور بين هؤلاء كان صادمًا، خصوصًا أنه عرف نفسه سابقًا كـ“ناشط مدني” ومؤسس ما سُمى بـ"حراك بدنا نعيش".
ومع انتشار الصور، بدأ ملفه يتحرك بين أيدي الصحفيين، وازدادت الشكوك حول ارتباطه بشبكات خارجية.
العائلة نفسها قطعت الشك باليقين وأصدرت بيانًا شديد اللهجة قالت فيه: “نعلن براءتنا التامة من تصرفات الابن العاق مؤمن الناطور وانضمامه لمجموعات العميل المرتزق ياسر أبو شباب”.
بهذا، دخلت القضية مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال ماذا يفعل الناطور في شرق رفح، بل كيف خرج من غزة مع هذه الخلفية الثقيلة؟
اعتراف الناطور الذي كشف أول خيط — عهد الهندي
بعد وصوله إلى أوروبا، نشر الناطور منشورًا مطوّلًا كشف فيه أخطر ما في الملف. قال: “عندما اشتد الخطر، تواصلتُ مع زميلي عهد الهندي… وقد قطع إجازته فورًا وعمل على ترتيبات حمايتي والتواصل مع جهات لضمان سلامتي”.
هذا الاعتراف لم يكن تفصيلاً عابرًا، إذ أنه المفتاح الأول لفتح شبكة معقدة.
من هو عهد الهندي؟
• اعتُقل في سوريا لمدة 40 يومًا بتهمة العمالة لـ"إسرائيل"
• فرّ إلى الولايات المتحدة وتزوج الصحفية هديل عويس ذات الارتباطات التطبيعية
• عمل في مؤسسات صهيونية مثل CAMERA وUN Watch
• كتب في Times of Israel
• شارك في مشاريع سياسية تخدم النفوذ الإماراتي–الإسرائيلي في اليمن
• دخل غزة في نوفمبر 2023 للمشاركة في تدريب وتسليح مجموعة أبو شباب شرق رفح
وجود اسم الهندي في صلب عملية تهريب الناطور لم يكن مجرد تفصيلة؛ إنما مؤشر على دور شبكة دولية تتجاوز حدود غزة.
جوزيف برودي… الورقة التي تربط الملف بالموساد ولوبياته
الناطور اعترف أيضًا بتواصله مع: جوزيف برودي — رئيس مركز اتصالات السلام (Center for Peace Communications).
المركز الذي يسوّقه البعض كـ“مؤسسة مدنية” هو في الحقيقة: واجهة بحثية–إعلامية مرتبطة بمعهد واشنطن، على صلة مباشرة بدوائر AIPAC، يشرف على مشاريع لترويج التطبيع في العالم العربي، ويعمل على إنتاج محتوى يستهدف المقاومة في غزة ولبنان.
وجود برودي في عملية التهريب يفتح الباب أمام سؤال جوهري: ما الذي يدفع مؤسسة بهذه الطبيعة لإنقاذ شخصية محلية إلا إذا كانت تمثّل قيمة استخباراتية أو إعلامية "نافعة"؟
شبكة أبو شباب — الحلقة المحلية في العملية
للجزء المحلي من شبكة التهريب دور أساسي. فمجموعة ياسر أبو شباب، التي ظهر الناطور معها، هي: أخطر مجموعة متعاونة شرق رفح، ولها خطوط اتصال مباشرة مع الاحتلال، ونفذت مهامًا ميدانية قرب الحدود، وحصلت على دعم خارجي عبر شخصيات مثل عهد الهندي.
وقد أكدت مصادر محلية أن دخول الهندي غزة عام 2023 ارتبط بتدريب هذه المجموعات، وهو ما يجعل وجود الناطور بينهم طبيعيًا في سياق التعاون الأمني.
هذه المجموعة كانت الأقدر على: توفير حماية للناطور داخل رفح، ونقله بين النقاط العسكرية والحدودية، وتأمينه في أصعب مراحل المعارك شرق القطاع.
المعلومات تشير إلى أن دورها كان قاعدة انطلاق عملية التهريب، قبل انتقال الملف إلى المستوى الدولي.
“الممر الأوروبي” — لماذا إيطاليا؟
من أكثر النقاط إثارة للانتباه أن مسار خروج الناطور مرّ عبر إيطاليا. وفي خلفية هذا الاختيار، تقف عدة معطيات: وجود مراكز تدريب أمني مرتبطة بالموساد في شمال إيطاليا، ونشاط هديل عويس في الإعلام الأوروبي، وامتداد نفوذ مركز اتصالات السلام داخل بعض المؤسسات الأوروبية، وقدرة هذه الشبكات على تأمين ممرات لوجستية تحت غطاء “إنساني” أو “إعلامي”.
باختصار: إيطاليا كانت محطة منطقية لشبكة تمتلك نفوذًا وتسهيلات في هذا البلد.
شهادات تكشف تلاقي الخيوط
صحفيون مثل محمد عثمان وفادي الشيخ يوسف أكدوا أن: علاقة الناطور بالشبكات الخارجية ليست جديدة، وظهوره مع مجموعة أبو شباب لا يمكن تبريره، وروايته حول “الهروب بحثًا عن الحياة” غير منطقية، والعملية كانت منظمة ومدعومة ومحميّة.
وقال الكاتب إياد القرا تعليقًا: “الخائن لا يعجز عن تبرير خيانته”.
الصورة الكاملة — لم يهرب… إنما هُرّب
بعد جمع كل الخيوط: عهد الهندي، هديل عويس، جوزيف برودي، مركز اتصالات السلام، مجموعة أبو شباب، الممر الإيطالي. تتضح الصورة.. مؤمن الناطور لم يهرب من غزة، لكنه أُخرج عبر عملية تهريب محكمة نفّذتها شبكة متشابكة تعمل لصالح الاحتلال، وجدت فيه أصلًا استخباراتيًا وإعلاميًا يجب إنقاذه. لذا القضية لم تعد قصة “محامٍ يبحث عن الحياة”، إنما ملف اختراق أمني وسياسي، يكشف طبقة جديدة من الحرب: حرب تعمل في العتمة… عبر أفراد ومؤسسات وشبكات تمتد من رفح إلى عواصم أوروبا.
