خاص _ شهاب
في بحر غزة الذي كان يومًيا مصدر رزق لآلاف الصيادين، تتراكم اليوم قوارب محطمة وقصص ألم لا تنتهي، منذ بداية حرب الإبادة في أكتوبر 2023، قُتل وجُرح العشرات منهم بنيران البحرية "الإسرائيلية"، ودمرت مئات القوارب، وتقلّص مدى الصيد المسموح من 12 ميلًا بحريًا إلى أقل من 3 أحيانًا.
اليوم، وبعد أكثر من عامين، لا يزال أكثر من 90% من 4000 صياد في القطاع عاطلين عن العمل أو يكافحون الجوع، حسب تقارير الأمم المتحدة واتحاد لجان الصيادين.
خلف كل شبكة مهترئة رجل يحلم بإطعام أطفاله، وخلف كل قارب محترق حكاية عائلة فقدت مصدر عيشها إلى الأبد، على شاطئ بحر غزة المحاصر، يجلس مهدي بكر، الصياد الفلسطيني الذي فقد ذراعيه قبل نحو ثلاثة عقود، وما زال حتى اليوم يحمل في ذاكرته رقم الطراد "الإسرائيلي" الذي غيّر حياته إلى الأبد وهو الرقم "909".
في عام 1997، وبينما كان مهدي يمارس مهنة الصيد المتوارثة أباً عن جد في عرض البحر، أطلق طراد "إسرائيلي" ما وصفه الصيادون بـ"موج اصطناعي" أدى إلى إصابة مهدي بجروح بالغة، أفقدته ذراعيه، نُقل حينها إلى مستشفيات "إسرائيلية"، وبقي يتلقى العلاج لثلاثة أشهر كاملة.
يقول مهدي بصوت يمزج بين الألم والإصرار لوكالة "شهاب": "ما بقي لنا أي حسكة ولا سفينة، الاحتلال دمر كل مراكب الصيادين في قطاع غزة، وبعد الحرب ما عاد هناك معدات صيد أصلاً، والاحتلال يضيّق علينا أكثر وأكثر".
يروي مهدي كيف يستهدف الاحتلال الصيادين يومياً، وكيف يعتقل العشرات منهم، وكيف استشهد كثيرون في الحرب والمواجهات، ومع ذلك، لم يستسلم: "الحمد لله رجعت للصيد، لأننا زي السمك، لما نطلع برّه المية بننخنق".
اليوم، وبعد أن دمرت الحرب كل شيء، ابتكر مهدي وإخوته "حسكة" صغيرة من الفلين ليتمكنوا من العودة إلى البحر، يخرج إخوته الاثنان يومياً، وفي إحدى الرحلات عاد أحدهم بستة "جلمبات" فقط، قال له: "هاي الك يا أخوي، إلك ولأولادك".
يضيف مهدي بحزن ممزوج بفخر "رغم إنها ما بتكفي، عملناهم صينية صيادية وأكلنا عشان نعيش"، مهدي أب يعيل 14 طفلًا منهم أبناء شقيقه الأيتام الذين يعتمدون عليه كلياً.
يقول بصوت يرتجف: "بدي أطعميهم، بدي أشربهم، ما عنا أي مصدر دخل غير الصيد".
وفي نداء مباشر للعالم، يختم مهدي حديثه "خلّي العالم يشوف حالنا، احنا بأقل شيء بنعمل علشان نواصل الحياة، الصيادين فئة من فئات العمال، ومن سنتين وما حد مدور عليهم ولا ساعدنا حد، الوضع صعب جداً، لازم يساعدونا ويقدموا لنا ولأولادنا المساعدة".
قصة مهدي بكر ليست مجرد قصة فقدان ذراعين، هي قصة شعب يرفض أن يغرق رغم كل الموجات الاحتلالية التي تُصنع ضده.
