هنا، في القاهرة، تتابع مئات العائلات الفلسطينية النازحة قسراً قوائم العودة إلى غزة وتعليمات الجهات المختصة، تحمل حقائب خفيفة وقلوبًا مثقلة بعامين من النزوح والفقد. بعضهم خرج طلبًا للعلاج، وآخرون فرّوا من القصف، لكنهم يشتركون اليوم في رغبة واحدة: الرجوع إلى ما تبقّى من حياة في القطاع.
غير أن طريق العودة، الذي يفترض أن يكون نهايةً لمعاناة النزوح بعد انتهاء الحرب، تحوّل لدى كثيرين إلى مرحلة جديدة من القلق والترقب، في ظل إجراءات معقدة وأعداد محدودة للعائدين، وتجارب وشهادات سابقة لعائلات تحدثت عن تضييقات ومعاملة قاسية.
الانتظار والتحقيق
وكانت وسائل الإعلام المختلفة قد نشرت شهادة المواطنة صباح الرقب، التي تقول فيها إنها تلقت إخطارًا بموعد التحرك ليلًا برفقة بناتها الخمس، ووصلت إلى معبر رفح لتقضي ساعات طويلة في الانتظار قبل السماح لهن بالدخول.
توضح أن معالم المعبر تغيّرت بفعل الدمار، وأن إجراءات الجانب المصري كانت سريعة، قبل انتقالهن سيرًا إلى الجانب الفلسطيني، حيث طُلب منهن التخلي عن معظم متعلقاتهن. وبعد نحو 12 ساعة انتظار إضافية، نُقلن بحافلة رافقتها آليات عسكرية حتى نقطة تفتيش أخرى.
هناك، خضعت صباح لإجراءات تفتيش وتحقيق منفصلة، شملت تقييد يديها وتعصيب عينيها، والتحقيق معها لساعات، وتهديدها بالاعتقال، إضافة إلى ضغوط مرتبطة بالهجرة أو التعاون.
ولم يُفرج عنها إلا بعد تدخل وفد أوروبي، لتصل لاحقًا إلى خان يونس بعد رحلة استمرت قرابة 22 ساعة من الانتظار والتحقيق والتنقل بين نقاط عدة.
في هذا التقرير، ترصد "شهاب" حكايات ثلاث عائلات فلسطينية تنتظر دورها في العودة، حيث يختلط الأمل بالخوف، والحنين بذكريات الفقد، في رحلة لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل محاولة لاستعادة حياة انقطعت.
تقول مها أبو مصطفي، 45 عامًا، تقيم حاليًا في القاهرة، إنها غادرت قطاع غزة قبل عامين لمرافقة طفلها المصاب بالسرطان في رحلة علاج طويلة، تاركة خلفها أربعة أطفال وبقية أفراد عائلتها، لكن رحلة العلاج انتهت بوفاة الطفل، لتجد نفسها وحيدة في بلد بلا سبب للبقاء سوى انتظار فرصة العودة.
وتقول لـ"شهاب" إن سنوات النزوح كانت قاسية نفسيًا وماديًا، وأنها تعيش منذ وفاة طفلها على أمل العودة لاحتضان أطفالها وتعويض ما فاتها من حياتهم.
وتشير إلى أنها تابعت تجارب عائلات عائدة واجهت إجراءات مشددة وتأخيرات طويلة على المعبر، الأمر الذي ولّد لديها خوفًا من أن تتعرض للموقف ذاته أو أن يتأجل دورها في اللحظات الأخيرة، منوهة أن العودة بالنسبة لها لم تعد خيارًا، بل حاجة نفسية ملحّة لتجاوز صدمة الفقد واستعادة دورها كأم بين أطفالها.
في حين تقول سعاد أبو رويدة، موظفة في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إنها فقدت منزلها خلال الحرب بعد تعرضه للقصف، كما فقدت زوجها شهيدًا، ما اضطرها للنزوح خارج غزة بشكل قسري للنجاة بأطفالها المفوجعين بفقدان أبيهم.
وتضيف أنها تتابع قوائم العائدين يوميًا، لكنها صُدمت بتعقيد الإجراءات وقلة الأعداد المسموح لها بالعودة، ما يجعل موعد رجوعها غير مضمون.
وتبيّن أن استمرار وجودها خارج القطاع قد يضعها أمام مساءلة وظيفية أو خطر فقدان عملها، وهو مصدر دخلها الوحيد بعد فقدان المعيل والمنزل.
صدمة أخرى
كما تعيش قلقًا إضافيًا بسبب ما يُتداول بين العائلات عن تشديد الإجراءات على بعض الفئات، ومنها أسر الشهداء، ما يزيد مخاوفها من تأجيل عودتها، سيما في ظل شهادة النساء أن الاحتلال يفصل النساء عن الأطفال في مراحل التفتيش، مما يعنى تعريض أطفالها لصدمة أخرى.
أما فؤاد أبو عون، 55 عامًا، فيقول إنه غادر غزة برفقة طفلين لتلقي العلاج، بينما بقيت زوجته وبناته الثلاث داخل القطاع. وبعد انتهاء رحلة العلاج، بات تركيزه منصبًا على العودة في أسرع وقت لإعادة جمع شمل أسرته التي عاشت كل تفاصيل الإبادة من قصف وتهجير وتجويع وحدها.
يوضح أن ما ذكر على لسان العائدين أمس من شهادات مروعة أمر صادم ومرعب، أن يتعرض العائدون بعد رحلة النزوح الطويلة إلى هذا التنكيل، خاصة ما يتعلق بتعدد نقاط التفتيش وطول فترات الانتظار والتفتيش الدقيق للأمتعة والأوراق ومصادرتها.
ويشير إلى أن هذه الإجراءات، كما يصفها العائدون، مرهقة ومحبِطة، لكنها لم تُضعف إصراره على العودة، إذ يعتبر أن بقاء أسرته مشتتة بين الداخل والخارج هو العبء الأكبر عليه.
و قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن أكثر من 80 ألف فلسطيني في مصر يترقبون فرصة العودة إلى القطاع.
وأوضح أن هؤلاء العالقين يشملون مرضى وجرحى وأسرًا كاملة، تعيش منذ أشهر أو سنوات خارج وطنها بسبب الحرب والنزوح القسري.
وأشار الثوابتة إلى أن انتظار العودة الطويل يضاعف من معاناة هذه العائلات، ويحوّل حق العودة، الذي يجب أن يكون طبيعيًا وإنسانيًا، إلى عملية معقدة ومليئة بالقلق والترقب.
أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة إحصائية العمل في معبر رفح البري في أول أيام فتحه، أمس الاثنين.
و قالت الوزارة في تصريح لها، إن الأجهزة المختصة بمتابعة عمل معبر رفح بعد إعادة فتحه قد غادر قطاع غزة (8) مواطنين من المرضى ومرافقيهم.
وأوضحت أنه وصل القطاع (12) مواطنًا في ساعة متأخرة من الليل، وهم (9) نساء و(3) أطفال، وقُدمت لهم الرعاية الفورية وإتمام إجراءات الوصول.
تنكيل وابتزاز
في السياق ذاته، أدانت فصائل فلسطينية الإجراءات التي رافقت مرور العائدين عبر معبر رفح عقب إعادة تشغيله، واعتبرت حركة حماس في بيان رسمي أن ما تعرّض له مواطنون فلسطينيون من سوء معاملة وتنكيل وابتزاز، خصوصًا بحق النساء والأطفال، يندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي.
وأشارت إلى شهادات ميدانية تحدثت عن ممارسات مهينة شملت اقتياد نساء من بين المسافرين، وتعصيب أعينهنّ، وإخضاعهنّ لتحقيقات طويلة وتهديد بعضهنّ بأطفالهنّ، إضافة إلى محاولات ابتزاز لدفع إحداهنّ إلى التعاون.
وطالبت الحركة مؤسسات حقوق الإنسان بتوثيق هذه الانتهاكات، ودعت الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى التحرك لوضع حد لها، وضمان فتح المعبر بشكل طبيعي وتأمين حركة العائدين وفق ما نصّ عليه الاتفاق.
من جهتها، دانت الجبهة الديمقراطية ما وصفتها بإجراءات تعسفية رافقت تشغيل المعبر، مشيرة إلى تقييد سفر المرضى والجرحى بأعداد محدودة، وهو ما اعتبرته تهديدًا لآلاف المسجلين للعلاج. كما لفتت إلى أن تعقيد الإجراءات يحوّل العودة إلى معاناة إضافية، في ظل تسجيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين لدى سفارة فلسطين في مصر بانتظار العودة.
وحمّلت الفصائل الاحتلال المسؤولية عن هذه السياسات، داعية الأطراف الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى التدخل لضمان حرية التنقل وعودة العالقين وتدفق المساعدات الإنسانية، ومؤكدة أن معبر رفح حق إنساني لا ينبغي أن يُستخدم وسيلة ضغط.
من جانبه، يقول المحلل السياسي وسام عفيفة لـ"شهاب" :" إن آلية السفر الحالية تجعل خروج ودخول الأفراد مرهونًا بموافقة أمنية "إسرائيلية" مسبقة على الأسماء والفئات، وحتى مع الحديث عن أولوية للجرحى والطلبة، يبقى "الفيتو الأمني" هو الحاكم النهائي، ما يحوّل حق السفر من حق إنساني إلى امتياز انتقائي".
ويضيف أن المؤشرات ترجّح زيادة أعداد المغادرين مقارنة بالعائدين، الأمر الذي يثير مخاوف من استنزاف بشري صامت تحت عنوان السفر.
"العودة للبيت"
كما يشير إلى أن "العودة للبيت" لم تعد تلقائية، إذ يخضع العائدون لمسار تفتيش معقّد يشمل نقلهم إلى نقاط فحص داخل القطاع للتدقيق الهوياتي والبيومتري، ما يجعل العودة نفسها إجراءً أمنيًا قابلًا للتأجيل أو المنع.
و يقول عفيفة إن إدارة معبر رفح فلسطينيًا بإشراف أوروبي تبدو شكلية أكثر منها عملية، فعلى الرغم من وجود طواقم فلسطينية لتشغيل المعبر، إلا أن السيطرة الأمنية الفعلية لا تزال بالكامل بيد الاحتلال، منوهًا أن هذا الواقع يجعل فتح المعبر مجرد واجهة إدارية، بينما يظل القرار النهائي للسفر خاضعًا بالكامل للمعايير الأمنية الإسرائيلية، ما يحول أي خروج أو عودة إلى عملية مشروطة وليست حقًا طبيعيًا.
وفيما يتعلق بواقع عودة النازحين، أدان مركز غزة لحقوق الإنسان القيود التي رافقت بدء السفر عبر معبر رفح، معتبرًا أنها تعكس تحكمًا إسرائيليًا مباشرًا في حركة العائدين وتمسّ حقهم في حرية التنقل والعودة. وأشار إلى أن السماح بأعداد محدودة جدًا من المسافرين، وبينهم مرضى ومرافقون، أدى إلى تعطيل عودة كثيرين رغم أوضاعهم الإنسانية الملحّة.
ووثّق المركز تعرض عدد من العائدين لإجراءات وصفها بالمهينة، شملت المرور عبر ممرات مراقبة مشددة، واحتجاز بعض العائدين والتحقيق معهم لساعات حول أسباب عودتهم. كما سجّل حالات تقييد واعتقال لنساء خلال رحلة العودة.
وبحسب شهادات تابعها المركز، اتسمت رحلة الرجوع بالخوف وطول الانتظار والضغط النفسي، ما حوّل العودة من خطوة لإنهاء النزوح إلى تجربة قاسية إضافية.
وحمّل المركز السلطات الإسرائيلية المسؤولية القانونية عن هذه الممارسات بصفتها الجهة المتحكمة فعليًا في المعابر، مطالبًا بضمان عودة آمنة ومنتظمة للنازحين، وتسهيل حركة المرضى والجرحى دون قيود.
