تتصدر تساؤلات ملحّة أحاديث الغزيين في اليوم الأول لإعادة تشغيل معبر رفح، من يُسمح له بالمغادرة؟ من سيتمكن من العودة؟ ومن يدير فعليًا حركة العبور؟
فبعد أشهر من الإغلاق والحصار، يعود المعبر للعمل وسط ترتيبات معقّدة ومبهمة، ما يجعل فتحه حدثًا مشوبًا بالترقّب والحذر معًا.
وسط مخاوف المرضى والجرحى وحاجتهم للسفر العاجل، وترقّب العالقين على جانبي الحدود، تتحوّل لحظة إعادة تشغيل المعبر إلى معاناة يفهمها الغزيون وحدهم ، فإعادة التشغيل الجزئية للمعبر ترافقها ترتيبات أمنية جديدة.
أثارت إجراءات التشغيل الجديدة مخاوف واسعة، خاصة لدى المرضى والجرحى المحتاجين للعلاج خارج القطاع. و بحسب مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، إن نحو 22 ألف مريض وجريح وآلاف الطلاب بحاجة ماسة للخروج من القطاع لتلقي العلاج أو مواصلة تعليمهم.
وأوضح أن الاحتلال يسعى إلى استمرار الحصار وعدم فتح معبر رفح بالكامل، ويضع عقبات كثيرة تعيق خروج المواطنين.
وأضاف الثوابتة أن هناك نحو 80 ألف أسرة فلسطينية ترغب في العودة إلى غزة، متوقعًا أن يشهد المعبر مرورًا سلسًا للراغبين في السفر إلى مصر أو العودة ، فيما حذر من أن آلاف مرضى السرطان والكلى لا تزال حياتهم في خطر دون السماح لهم بالسفر.
من جانبها أكدت وزارة الصحة بغزة، أنه لم يسمح بسفر المرضى حتى الآن عبر معبر رفح البري، وأوضحت أنه لم يتم إبلاغهم بأي تفاصيل جديدة حول سفر المرضى عبر معبر رفح، مؤكدة أنه لم يغادر أي مريض حتى اللحظة عبر المعبر.
ومع تحديد عدد المغادرين بنحو 150 شخصا يوميا، فإن إتمام سفر هؤلاء جميعا قد يستغرق قرابة خمسة أشهروحدهم مما يعنى أن ألية عمل المعبر ستشكل أزمة أخرى لسكان القطاع الراغبين بالخروج خاصة أصحاب الجنسيات والاقامات وملفات لم الشمل والطلبة .
كما يُنتقد تركيز الترتيبات الحالية على حركة الأفراد دون توضيح آليات إدخال الإمدادات الضرورية، في وقت تشير تقديرات إلى حاجة القطاع لما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يوميا.
تفيد معطيات نشرتها هيئة البث "الإسرائيلية" بأن التنقّل سيقتصر حاليا على سكان غزة، مع قدرة تشغيلية أولية تقارب 200 مسافر يوميا. وتشير التقديرات إلى أن عدد المغادرين سيفوق عدد العائدين.
ووفق هذه الآلية، تخضع قوائم المسافرين المرضي من غزة لموافقة أمنيه "إسرائيلية" مسبقة، كما سترسل البعثة الأوروبية المشرفة على المعبر إلى الجانب المصري قائمة يومية تضم أسماء نحو 150 شخصا من الراغبين في السفر، مرفقة بوجهاتهم، على أن يكون القرار النهائي بالموافقة أو الرفض للسلطات المصرية.
في المقابل، ترسل مصر يوميا قائمة تتضمن أسماء 50 شخصا فقط يرغبون في العودة إلى غزة، ويُسمح لهم بالدخول بعد إتمام الفحص الأمني في اليوم التالي.
أما الغزيون الذين غادروا القطاع خلال فترة الحرب، فيمكنهم العودة عبر تنسيق مصري وموافقة أمنية "إسرائيلية" وتتولى البعثة الأوروبية مرحلة التدقيق الأولى، ثم تُستكمل الإجراءات في نقاط خاضعة للجيش "الإسرائيلي".
وتشمل التدابير "الإسرائيلية" نقل العائدين بحافلات إلى نقطة تفتيش خاصة لإجراء فحص أمني يتضمن التحقق من الهوية عبر تقنيات التعرف على الوجه، إضافة إلى تفتيش جسدي، لمنع إدخال مواد أو معدات غير مصرح بها.
حركة العبور
فيما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن مسار التفتيش الجديد يحمل اسم "ريغافيم"، وأن إدارته ستكون بيد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فيما يتولى موظفون فلسطينيون تشغيل المعبر بإشراف أوروبي.
ومن المتوقع أن تدخل إلى غزة خلال الأيام المقبلة لجنة التكنوقراط المعروفة باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة عبر المعبر ذاته، وتقول "إسرائيل" إن هذه الترتيبات تأتي في إطار تعزيز الرقابة الأمنية.
"بوابة حرّة"
من جانبه يقول المحلل السياسي وسام عفيفة إن الإعلان عن تشغيل معبر رفح لا يُنظر إليه في الشارع الغزّي بوصفه انفراجًا حقيقيًا، بل خطوة يغلّفها الترقّب والحذر، لأن ما فُتح ليس "بوابة حرّة" بالمعنى الفعلي، وإنما ممرّ محدود تحكمه اعتبارات وإجراءات أمنية مشددة.
ويوضح عفيفة أن آلية السفر الحالية تجعل خروج الأفراد مرهونًا بموافقة أمنية "إسرائيلية" مسبقة على الأسماء والفئات، وحتى مع الحديث عن أولوية للجرحى والطلبة، يبقى "الفيتو الأمني" هو الحاكم النهائي، ما يحوّل حق السفر من حق إنساني إلى امتياز انتقائي.
ويضيف أن المؤشرات ترجّح زيادة أعداد المغادرين مقارنة بالعائدين، الأمر الذي يثير مخاوف من استنزاف بشري صامت تحت عنوان السفر.
كما يشير إلى أن "العودة للبيت" لم تعد تلقائية، إذ يخضع العائدون لمسار تفتيش معقّد يشمل نقلهم إلى نقاط فحص داخل القطاع للتدقيق الهوياتي والبيومتري، ما يجعل العودة نفسها إجراءً أمنيًا قابلًا للتأجيل أو المنع.
يقول عفيفة إن إدارة معبر رفح فلسطينيًا بإشراف أوروبي تبدو شكلية أكثر منها عملية ، فعلى الرغم من وجود طواقم فلسطينية لتشغيل المعبر، إلا أن السيطرة الأمنية الفعلية لا تزال بالكامل بيد الاحتلال، الذي يحدد من يغادر ومن يعود، ويفرض القيود على حركة الأفراد.
هذا الواقع يجعل فتح المعبر مجرد واجهة إدارية، بينما يظل القرار النهائي للسفر خاضعًا بالكامل للمعايير الأمنية الإسرائيلية، ما يحول أي خروج أو عودة إلى عملية مشروطة وليست حقًا طبيعيًا.
