عاد إلى قطاع غزة أمس 12 مواطنًا فقط عبر معبر رفح، في رحلة اختلطت فيها فرحة العودة بوحشية الإجراءات التي فرضها الاحتلال "الإسرائيلي" والمليشيات المتعاونة معه. العائدون تعرضوا لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة، شملت التفتيش الذاتي والإهانة والتهديد وسلب الأغراض الشخصية، وتحقيقات استمرت لساعات، ما حول تجربة العودة إلى كابوس حقيقي يزرع الخوف والقلق لدى المواطنين، في محاولة واضحة لردعهم عن ممارسة حقهم الطبيعي والقانوني في العودة إلى وطنهم.
شهادة صادمة
العائدة صباح الرقب روت شهادة صادمة حول المعاملة التي تعرضت لها أثناء العودة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، مشيرة إلى أنها كانت واحدة من بين أربع نساء خضعن للضرب والإهانة والتفتيش الذاتي على يد ما وصفته بـ عصابة "أبو شباب" في منطقة محسوم بموراج.
وقالت الرقب إن الاحتلال وعناصره قاموا برش المياه على وجوههن ووضع الكلبشات في أيديهن، مع التعرض للشتم والإهانة، مؤكدة أن الاحتلال سلب منهن أغراضهن الشخصية وحقق معهن لساعات حول أشخاص لا يعرفنهم، وهددهن بالقتل والاعتقال.
وأضافت أن دوريتين "إسرائيليتين" رافقتا باص العودة من معبر رفح وسلمتا العائدين مباشرة لحاجز "أبو شباب"، مشيرة إلى أنه من بين 6 باصات كانت في صالة المعبر، سمح بإدخال باص واحد فقط، بينما عادت الباصات الأخرى إلى الصالة المصرية.
وعن تجربتها، قالت الرقب: "رحلة العودة كانت قطعة من عذاب جهنم، ومع هذا لا يوجد أفضل من الوطن"، مؤكدة تمسكها بحقها وحق أبناء شعبها في العودة إلى غزة رغم كل المخاطر والمعاناة.
في حين وصفت سيدة أخرى المرور عبر الممر بأنه أشبه بمسار عسكري طويل، مع توقف الحافلات عند نقاط تفتيش متعددة، والتعرض لضغوط نفسية متواصلة من الجنود والمراقبين.
وقالت المرأة: "أخذونا أنا ووالدتي وسيدة ثالثة، غمّوا أعيننا وقيدوا أيدينا، وسألونا عن أمور لا نعرف عنها شيئًا."
وأضافت أن التفتيش لم يقتصر على الجانب "الإسرائيلي"، بل شمل المكان الذي تتواجد فيه البعثة الأوروبية، مؤكدة أن أسلوب الترهيب النفسي كان حاضرًا في كل خطوة، مما جعل العودة تجربة صادمة نفسيًا وجسديًا.
من جانبه، يقول المحلل السياسي إياد القرا لـ"شهاب" : "إن فتح معبر رفح يُعد محاولة "إسرائيلية" لتحويل المعبر إلى حاجز "إسرائيلي" أكثر منه معبرًا للسفر الفلسطينيين.
وأوضح أن الاحتلال يبذل كل جهد دائمًا لتفتيش كل الخطوات المتعلقة بالاتفاقيات حول المعبر، بما يشمل الانسحاب من غزة، وقف إطلاق النار، الخطوط الحمراء، وإدخال المساعدات الإنسانية، مع وجود منغصات وفروقات كالعادة، إذ يرى الاحتلال أنه المنتصر وهو الذي يفرض شروطه على أي اتفاق، ويواصل سياسة القتل بلا حساب.
وأضاف القرا أن المخاوف الفلسطينية موجودة على كل الصعد، لافتًا إلى أن الاحتلال في عمليات القتل يبرر أفعاله بحجج حول نية الفلسطينيين لقيام أعمال معينة، وهنا يمكن أن يطبق نفس النهج على العائدين عبر معبر رفح، من خلال دخول المسافرين عبر الحواجز "الإسرائيلية"، واعتقالهم أو التضييق عليهم، رغم أن الاحتلال يقوم الآن بتدقيق الأسماء قبل وصول الأشخاص، إلا أنه يمكن أن يقوم بعمليات تماهي وخداع للبعض لاعتقالهم أو احتجازهم، أو التعامل معهم بطرق مهينة كما يحدث في حواجز الضفة الغربية أو حاجز الكرامة في الأردن.
ليست جديدة
وأشار القرا إلى أن هذه السياسة "الإسرائيلية" ليست جديدة، وأن تسمية المعبر باسم "ريغافيم" تُعطيه صبغة "إسرائيلية"، إذ المنطقة التي يسيطر عليها المعبر تخضع لسيطرة "إسرائيل" بشكل كبير، ما يزيد من المخاطر والمخاوف الفلسطينية من استخدام المعبر والسفر عبره.
وأكد القرا أن هذا الوضع يعني عمليًا أن المعبر قد يتحول إلى حاجز، مشيرًا إلى أن الخطوة إيجابية ضمن السياق العام للمرحلة الثانية، لكنه أكد على الحاجة الملحة لتدخل الوسطاء في أكثر من جانب، خاصة فيما يتعلق بانسحاب "إسرائيل" المفترض من المعبر والمنطقة الصفراء، وانتشار قوات الاستقرار الدولي التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا، لضمان ألا يصبح المعبر حاجزًا "إسرائيليًا"، وأن يعود إلى معبر فلسطيني-مصري بوجود بعثة المراقبة الأوروبية التي كانت تعمل عام 2005 وفق ما نص عليه إعلان الرئيس الأمريكي ترامب.
من جانبه، أكد إسماعيل إبراهيم الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن الإجراءات التي يفرضها الاحتلال "الإسرائيلي" بحق المواطنين العائدين إلى القطاع عبر معبر رفح تُعد محاولة واضحة لترسيخ رسالة ترهيب نفسي، مفادها أن العودة إلى الوطن محفوفة بالمخاطر والضغوط.
وأشار الثوابتة إلى أن الاحتلال يواصل فرض سياسات تفتيش وتحقيق وتضييق ممنهجة بحق العائدين، مستهدفًا ردعهم عن ممارسة حقهم الطبيعي والقانوني في العودة، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
وأوضح أن هذه الإجراءات تندرج ضمن حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وبث الخوف وعدم الاستقرار في صفوفه، مؤكدًا أن حق عودة أبناء الشعب الفلسطيني إلى بيوتهم وأهلهم ثابت وغير قابل للمساومة، ولن تنجح محاولات الاحتلال في النيل منه أو الالتفاف عليه.
من جهة أخرى، اعتبر مركز "غزة لحقوق الإنسان" أن هذه الإجراءات تعكس سيطرة "إسرائيلية" كاملة على مجريات العملية، في انتهاك صارخ لحرية التنقل وحقوق السكان المدنيين في قطاع غزة.
تحكمًا مباشرًا
وأوضح المركز أن السلطات الاحتلال فرضت تحكمًا مباشرًا في قوائم المسافرين، حيث سمحت بسفر عدد محدود من المرضى والمرافقين فقط، رغم الحالات الطبية الحرجة والحاجة الماسة للعلاج خارج القطاع، ما أدى إلى تعطيل سفر الغالبية وحرمانهم من حقهم في العلاج والرعاية الصحية المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأشار المركز إلى أن الإجراءات "الإسرائيلية" تضمنت تفتيشًا مهينًا واحتجازًا مؤقتًا للعائدين، فضلاً عن إخضاعهم لتحقيقات طويلة حول أسباب عودتهم ومواقفهم الشخصية، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية وقواعد حماية المدنيين.
وأضاف المركز أن هذه السياسات تمثل جزءًا من حرب نفسية ممنهجة تهدف إلى ترهيب السكان الفلسطينيين في الخارج، وإيصال رسالة مفادها أن العودة إلى القطاع ستكون مصحوبة بالمخاطر والمعاناة، بما يحد من حقهم الطبيعي والقانوني في العودة إلى وطنهم.
وأكد المركز أن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الانتهاكات، ودعا البعثة الأوروبية المشاركة في ترتيبات المعبر إلى القيام بدورها القانوني والأخلاقي، وعدم التغاضي عن الانتهاكات، كما طالب اللجنة الوطنية لإدارة غزة وجميع الشركاء المسؤولين عن إدارة شؤون القطاع بالتعبير الصريح عن رفضهم لهذه الإجراءات المهينة، والعمل على حماية حقوق المواطنين وكرامتهم.
وشدد المركز على أن فتح معبر رفح بشكل كامل ومنتظم، وتسهيل خروج المرضى والجرحى دون قيود تعسفية، وضمان دخول الإمدادات الطبية، يمثل حقًا مكفولًا يجب احترامه، مؤكداً أن أي ترتيبات لإدارة المعبر يجب أن تكون مدنية وإنسانية بحتة، منفصلة عن سياسات الاحتلال، بما يضمن احترام الحقوق الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة وحرية التنقل.
