خاص _ شهاب
في وقتٍ تتصاعد فيه الانتهاكات "الإسرائيلية" بحق الأسرى داخل السجون، تتزايد المخاوف الفلسطينية مع الحديث عن تشديد الإجراءات العقابية بحق المعتقلين، وسط واقعٍ تصفه شهادات محررين بأنه قائم على العنف والإهمال والتجويع، ويأتي ذلك بالتزامن مع ما يُنظر إليه باعتباره تطورًا خطيرًا في هذا الملف، إذ إن إقدام الاحتلال على تسريع إقرار قانون الإعدام بحق الأسرى، والشروع في إعداد الآليات العملية لتنفيذه، يكشف "الوجه الحقيقي لهذا الكيان"، ويشكل تحديًا سافرًا لكل القوانين الدولية والإنسانية.
في هذا السياق، تتكثف المخاوف من أن يتحول هذا المسار إلى مظلة لمزيد من الانتهاكات داخل السجون، بينما ترسم شهادات الأسرى المحررين صورة قاسية لظروف الاحتجاز، وتطرح تساؤلات جدية حول مصير آلاف المعتقلين في ظل إجراءات متصاعدة.
الأسير المحرر سائد البرغوثي يروي لـ "شهاب" تفاصيل من تجربته داخل السجن، مستخدمًا عبارة تختزل الخوف الذي يرافق المعتقلين يوميًا: "ممكن تروح لأهلك بكيس أسود"، هذه الجملة، بحسب روايته، ليست مجرد توصيف مجازي، هي تعبير عن حالة الرعب التي يعيشها الأسرى نتيجة الاقتحامات المتكررة والعنف الممنهج.
يقول البرغوثي إن واقع الحياة اليومية في السجون يتسم بالإهانات والضرب المتكرر والتجويع، مشيرًا إلى تراجع أوزان الأسرى بشكل حاد، مضيفًا "أنا فقدت أكثر من 40 كيلوغرامًا من وزني، وهناك أسرى فقدوا نحو 100 كيلوغرام أو أكثر"، في دلالة على ما يصفه بانعدام الحد الأدنى من الرعاية الغذائية والصحية.
وتتحدث شهادته عن عمليات اقتحام للأقسام تُنفذ بعنف شديد، حيث تدخل القوات — بحسب وصفه — بشكل "مستوحش"، وتنهال بالضرب دون تمييز، مؤكدًا أن محاولة الدفاع عن النفس قد تكلّف الأسير حياته، في ظل تهديد دائم بأن نهايته قد تكون في "كيس أسود" يعود به إلى عائلته.
ولا تقف الانتهاكات عند حدود العنف الجسدي، إنما تمتد إلى استخدام وسائل قمع مختلفة، مثل الأسلحة التي تطلق ذخائر على مسافات قريبة، ما يؤدي إلى إصابات متعددة، ويشير البرغوثي إلى حالات إصابة سجل فيها الأسرى عشرات الشظايا في مواضع الإصابة الواحدة، كما تحدث عن استخدام وسائل أخرى كالصعق الكهربائي في مراحل سابقة.
وفي جانب الرعاية الطبية، يرسم الأسير المحرر صورة قاتمة لما يجري داخل العيادات، حيث يقول إن المصابين يُعالجون بشكل سريع وسط سوء معاملة، مع الاكتفاء بإجراءات سطحية لإغلاق الجروح، ما يؤدي لاحقًا إلى التهابات ومضاعفات صحية.
ويضيف البرغوثي خلال حديثه أن بعض الأسرى أصيبوا بأمراض جلدية مثل الجرب، وتفاقمت حالتهم نتيجة الاكتظاظ ونقص النظافة وضعف المناعة، لتتحول الإصابات إلى دمامل ونزيف مستمر دون علاج فعلي.
وتكشف الشهادة أيضًا عن تدهور الحالة الصحية للأسرى مع غياب الغذاء الكافي، ما يؤدي إلى إنهاك جسدي شديد، ويقول البرغوثي إن النزيف والجروح، إلى جانب نقص الطعام، يضعفان الجسد تدريجيًا، ويترك الأسرى في حالة صحية حرجة.
وفي سياق الشهادات التي توثق واقع الاعتقال، يروي الصحفي والأسير المحرر أمين بركة لـ "شهاب" تفاصيل تجربته التي بدأت أثناء عمله الصحفي في خان يونس، قبل أن يتحول من ناقلٍ للأحداث إلى أحد ضحاياها، فقد اضطر للنزوح مع عائلته مع تصاعد القصف، بينما واصل تغطية الأحداث قرب مستشفى ناصر، قبل أن يُحاصر داخل مدرسة نزوح أثناء زيارته لعائلته، ويُجبر على التوجه نحو حاجز عسكري حيث بدأت رحلة الاعتقال.
يروي بركة أنه أُجبر على خلع ملابسه أمام الآخرين، وقُيّدت يداه وقدماه، وتعرض للضرب في البرد القارس، قبل أن يُجبر على البقاء في وضعية السجود لساعات طويلة تحت الضرب والإهانات، لاحقًا نُقل مع معتقلين آخرين إلى مواقع احتجاز مختلفة حيث استمر الضرب الجماعي والتكديس داخل مركبات عسكرية، مع رش المياه الباردة عليهم وإجبارهم على ترديد هتافات قسرية.
وخلال التحقيق، تركزت الأسئلة — بحسب روايته — على عمله الصحفي ومصادر المواد المصورة، وتعرض للشبح والضرب حتى فقد الوعي، مع تهديدات طالت عائلته في محاولة لانتزاع معلومات، ويؤكد أن ما تعرض له من تعذيب وتجويع وحرمان من العلاج يندرج ضمن المعاملة القاسية والمهينة المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.
وبعد التحقيق، نُقل إلى معتقل "سدي تيمان" حيث أمضى نحو أسبوعين في ظروف وصفها بأنها قاسية للغاية، مع تقييد دائم وعصب للعينين ونقص شديد في الطعام والمياه، ويقول إن التعذيب كان ممارسة يومية، شملت الضرب والقمع واستخدام الكلاب البوليسية، مشيرًا إلى وفاة معتقلين نتيجة الإهمال الطبي أو التعذيب.
وخلال شهر رمضان، يضيف أن الأسرى مُنعوا من ممارسة الشعائر بحرية، واقتصر الطعام على كميات ضئيلة، فيما تعرض بعضهم لإجبار على الإفطار أو عقوبات إضافية، في ظل سياسة تجويع منهجية.
وبعد 388 يومًا من الاعتقال، أُفرج عنه ضمن صفقة، ليعود ويجد منزله مدمّرًا واستشهاد اثنين من أشقائه، قبل أن يلتقي بعائلته مجددًا، ويؤكد أن شهادته ليست سردًا شخصيًا فحسب، هي توثيقًا لواقع لا يزال يعيشه مئات الأسرى خلف القضبان.
في ضوء هذه الروايات، تتصاعد دعوات الأسرى المحررين والمؤسسات الحقوقية للقيادة الفلسطينية والمنظمات الإنسانية للتحرك العاجل لوقف الانتهاكات داخل السجون، معتبرين أن ما يحدث "جريمة بشعة".
ويأتي ذلك في وقت يزيد فيه الحديث عن قانون إعدام الأسرى من مخاوف العائلات والحقوقيين، إذ يرى مراقبون أن بيئة الاحتجاز الحالية، كما تعكسها شهادات متعددة، تفتقر إلى الضمانات الإنسانية الأساسية، ما يجعل أي إجراءات عقابية إضافية محل قلق واسع بشأن سلامة المعتقلين وحقوقهم.
وتبقى هذه الشهادات، رغم قسوتها، واحدة من أبرز المصادر التي تكشف واقع الحياة خلف القضبان، حيث يحاول الأسرى — وفق رواياتهم — الصمود في ظروف يرون أنها تتجاوز حدود العقوبة إلى انتهاك الكرامة الإنسانية، وسط دعوات متزايدة لرقابة دولية وضغط حقوقي يضمن الحد الأدنى من الحماية لهم.
