تقرير خاص - شهاب
هزّت قضية جيفري إبستين العالم، ليس فقط بسبب بشاعة الجرائم الجنسية بحق قاصرين، بل لأنّها كشفت شبكة صمت وحماية لنخب سياسية واقتصادية رفعت يوما شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والطفولة.
في غزة، يقتل الأطفال يوميا تحت القصف، وتمحى عائلات كاملة من السجلات المدنية، دون أن يتحول ذلك إلى فضيحة عالمية بحجم قضية إبستين.
ووفق مراقبون، فإن هذا الصمت الدولي والازدواجية في تطبيق المعايير تضعنا أمام حقيقة صادمة، مفادها أن "شبكة الإجرام واحدة، والضحايا فقط من يختلفون".
يقول الكاتب رائد عبد الجليل: "نستيقظ كل يوم على أسماء جديدة مرتبطة بقضية جزيرة إبستين، وتغرق المنصات في تحليلات عن الدور الذي لعبه هذا الشخص في توفير الجنس بمختلف أنواعه لزوار مكانه المشبوه، لقد ارتبطت هذه الخدمات تاريخيا بمنطق السيطرة وإدارة العالم، وهو أمر كان معروفا لدى الكثير منا في الشرق، لكن النخب اختارت أن تسمي هذه الحقائق 'نظريات المؤامرة'، واصفة إياها بأنها بضاعة الفاشلين وغير الفاعلين؛ وهكذا أقنعونا لسنوات".
ويضيف: "الحقيقة التي تتكشف اليوم هي أن جيفري إبستين لم يكن سوى مدير لهذه الجزيرة، مهمته تنظيم المواعيد، وتنظيف الدماء، والتخلص من أشلاء ضحايا القرابين البشرية التي قُدمت على مذبح النفوذ. وبسبب فشله وعدم قدرته على الاستمرار في إدارة هذا المكان بعد أن انكشف أمره، تم التخلص منه مادياً ومعنوياً، ليبقى الصندوق الأسود مغلقاً على أسرار من صنعوه".
ويكمل عبد الجليل: "بينما يبحث العالم عن أسماء في تلك الوثائق، الحقيقة المرة هي أن هناك دائماً 'مديراً آخر' و'جزيرة أخرى' تُباع فيها المنتجات البشرية وتُستخدم كمنصة للتحكم وإدارة العالم. وهذه القضية لم تُنشر إلا لأهداف تتعلق بأولئك الذين يملكون السلطة، بينما يبقى العالم صامتًا أمام الجرائم الممنهجة في غزة".
ويرى أنه "لن ينتج عن هذه التسريبات سوى المزيد من الخوف والتبعية. الرسالة الحقيقية ليست موجهة لمن فُضحوا، بل لمن لم تُذكر أسماؤهم بعد في الوثائق، وهذا الصمت الدولي والارتباك في مواجهة ما يحدث في غزة يظهران كأنه نتيجة مباشرة لنفس الابتزاز. الصهاينة الذين يديرون تلك 'الجزر' يرسلون إشارة لكل من يحاول الاعتراض على الجرائم في فلسطين: 'الآن لم يعد هناك مجال لغير الخضوع'".
ويوضح عبد الجليل أن "الربط بين قضية إبستين والصمت عن غزة يكشف أن النظام الدولي لا يُدار بالقوانين أو المواثيق الأخلاقية، بل بإدارة الهشاشة الشخصية والسياسية: السيطرة بالملفات تجعل السياسي رهينة لماضيه أو لنزواته التي تم توثيقها، الإرهاب المعنوي والخوف من السقوط الأخلاقي يجعل النخب تفضل الانحياز للقاتل على المخاطرة بمستقبلها، صناعة العجز تجعل القوة الحقيقية بيد من يملك 'الملفات' لا من يملك 'الحق'.
وبحسب الكاتب، إن "جزيرة إبستين لم تكن مجرد مكان للرذيلة، بل كانت مختبراً للسيطرة على القرار الدولي، وما نراه اليوم في غزة من دمار يقابله عجز عالمي هو الثمرة المرة لهذا النظام، الذي يحول السياسة الدولية من ساحة للقيم إلى ساحة لإدارة الفضائح والنجاة من مقصلة الابتزاز".
بدورها تقول الكاتبة التونسية وخبيرة شؤون الشرق الأوسط، سمية الغنوشي، إن تدمير غزة على يد هذه النخبة ليس شذوذاً أخلاقياً، بل ينتمي إلى البنية ذاتها التي صنعت إبستين: التسلسل الهرمي لقيمة الإنسان، والافتراض بأن بعض الأرواح "إنسانية بالكامل" فيما تعد أرواح أخرى قابلة للتضحية.
وتقارن الغنوشي في مقال لها نشرته عبر صحيفة "ميدل ايست آي"؛ بين أطفال "استُغلوا في جزيرة خاصة في البحر الكاريبي"، وأطفال "دفنوا تحت الركام في غزة"، معتبرة أن منطق الاستحقاق والإفلات من العقاب هو ذاته، سواء في فلوريدا أو في غزة.
وتضيف أن هذه الطبقة نفسها تهيمن اليوم على رأس المال العالمي: من أوليغارشيي التكنولوجيا والممولين وتجار الحروب، الذين يستنزفون الثروة في الداخل ويحققون الأرباح من الدمار في الخارج، بينما يتحرك الجناة في هذه المنظومة بدافع شعور راسخ بالاستحقاق والحصانة، واعتقادهم أنهم يمتلكون الحق في تقرير مصير الآخرين وممارسة الوحشية ضدهم إذا شاؤوا.
وتكشف قضية إبستين عن ازدواجية صارخة في المعايير الدولية، إذ أن الأطفال في الغرب، حتى إذا وقعوا ضحايا لجرائم النخب، يتحرك العالم لحمايتهم أو فضح مرتكبي الجرائم، بينما أطفال غزة، نتيجة الانتماء الجغرافي والسياسي، يُتركون عرضة للقتل والتشريد، دون أن تحرك المؤسسات الدولية ساكنا!.
وفي ذات الوقت الذي تتصدر صور التحقيقات في قضية إبستين الصفحات الأولى للصحف العالمية، لا تزال تُسجّل غزة يوميا حصيلة مستمرة للشهداء والمصابين، معظمهم من الأطفال، في ازداوجية واضحة في كيفية حماية الطفولة والحقوق الإنسانية.
