تقرير – شهاب
في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم العالمي للمرأة مكرّمًا إنجازاتها وتطلعاتها، تقف المرأة الفلسطينية في قطاع غزة وسط خيام النزوح لتكتب تعريفًا مختلفًا للصمود، وتخوض معركة يومية مع القهر والبقاء. فبينما تنتظر النساء حول العالم ساعة الإفطار لإعداد الطعام، تخوض الأم الغزّية صراعًا من نوع آخر يبدأ قبل الأذان بساعات طويلة.
لم يعد تجهيز الأم الفلسطينية للطعام في قطاع غزة يعني اختيار الأصناف، بل يعني الوقوف صائمة أمام الدخان الكثيف في خيام النزوح، حيث تحوّل الحطب والبلاستيك إلى الوقود الوحيد لإنضاج لقمة تسد رمق الصائمين، في مشهد يلخّص القهر الإنساني في أبشع صوره.
ومع منع الاحتلال "الإسرائيلي" إدخال غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب، لجأت الأمهات إلى حرق الملابس البالية والأحذية والبلاستيك والكرتون لضمان استمرار اشتعال النار طوال فترة الطهي، ما يحوّل محيط الخيام إلى بؤر من الغازات الخانقة التي تنهش صدور النساء قبل أن ينضج طعام عائلاتهن.
واقع صعب
تقول ياسمين شيخة، وهي نازحة تعيش منذ شهور في خيمة غرب مدينة غزة، إن الطبخ على النار أصبح واقعًا صعبًا مفروضًا عليهن منذ بداية الحرب على قطاع غزة ومنع الاحتلال إدخال غاز الطهي.
وتضيف في حديثها لوكالة شهاب، "المعاناة تبدأ قبل ما نشعل النار، بدنا نشتري الحطب، ونحاول نولّعه، ونضل نراقبه حتى ما يطفي، هذا كله بياخد وقت طويل وتعب كبير، غير الدخنة اللي بنتعرض إلها، واللي بتسبب لنا ضيق نفس وسعال وصداع، غير الحروق اللي بنتعرض إلها وإحنا بنقلب على النار".
أما المواطنة علا أبو عودة، فتروي جانبًا آخر من الألم: "كسرنا الخزانات وكل شيء ضلّ من أثاث المنزل عشان نقدر نوفر الحطب ونجهز الأكل".
وتضيف في حديثها لشهاب،"الطبخ على النار متعب جدًا، غير الأمراض، حتى طعم الأكل ما بكون زي الغاز، وبياخد وقت طويل، النار شاقة وحرارتها بتطلع وسخ، وشراء الحطب مكلف".
وتتابع: "ياريت يرجع يدخل الغاز على غزة وما ينقطع، لأنه تعبنا وتبهدلنا".
وتردف: "الحمد لله، ربنا يكتب لنا أجر الصابرين، إحنا نساء غزة تعبنا، وربنا يعوضنا ويعوض أولادنا وأزواجنا".
معاناة يومية
ولا يختلف حال المواطنة حنان عبد السلام عن سابقتها، إذ تصف كيف تغيّرت أبسط تفاصيل حياتها في رمضان بسبب الحرب، قائلة: "كنا بنحب أجواء رمضان وتجهيز الإفطار، بس في الحرب تحوّل هذا العمل البسيط لمعاناة يومية".
وتضيف في حديثها لشهاب، "إشعال النار يحتاج لكمية مش بسيطة من الحطب ووقت طويل لحتى يجهز الأكل، وغير هيك خنقة الدخان، خصوصًا لما نضطر نحط بلاستيك لأنه ما في حطب، ونتمنى ما تطول معاناتنا".
وخلال عامين من الحرب على قطاع غزة، وجدت النساء أنفسهن في مواجهة سلسلة لا تنتهي من الصعوبات، بدءًا من فقدان المأوى وانعدام الأمن الغذائي والمائي، وصولًا إلى تحمّل مسؤوليات مضاعفة في رعاية أسرهن وسط ظروف قاسية. وبين النزوح المتكرر، وغياب الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف الحياة، تتحول كل مهمة يومية إلى تحدٍّ مرهق يختبر قدرة النساء على الصبر والتحمّل.
ورغم كل هذا الألم، تواصل نساء غزة تقديم نموذج نادر للصبر والتحمّل، ويمضين في أداء دورهن اليومي بثبات لا يتراجع، محافظات على حياة أسرهن وسط ظروف تفوق قدرة البشر على الاحتمال.
