تقرير أطفال غزة يُقتلون بـ"الشوكولاتة".. تتصاعد حالات سوء التغذية ضمن سياسة هندسة التجويع

تقرير _ شهاب

يتصاعد القلق الإنساني في قطاع غزة، مع تزايد حالات سوء التغذية بين الأطفال، في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء، وما يصفه مختصون بـ"هندسة التجويع"، التي تهدد جيلاً كاملاً بعواقب صحية خطيرة.

وفي المراكز الصحية القليلة التي لا تزال تعمل، تتزايد أعداد الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض الهزال وضعف البنية الجسدية، إلى جانب نقص واضح في الفيتامينات والمعادن الأساسية، ما يعكس تدهورًا غير مسبوق في الوضع الغذائي داخل القطاع.

ليست طارئة

ويؤكد أطباء أن غالبية الحالات المسجلة ليست طارئة فحسب، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الحرمان الغذائي، تفاقمت بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، مع تراجع قدرة العائلات على توفير وجبات متكاملة، واقتصارها، في كثير من الأحيان، على أصناف محدودة تفتقر إلى القيمة الغذائية.

ويشير مختصون في التغذية إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، نظرًا لاحتياجاتهم المستمرة للنمو، ما يجعل أي نقص غذائي وإن كان بسيطًا—يتحول سريعًا إلى خطر حقيقي يهدد صحتهم الجسدية والعقلية.

ورغم مرور نحو نصف عام على سريان اتفاق التهدئة، وهي فترة كان يُفترض أن تشهد تحسنًا ملموسًا في الأوضاع الإنسانية، إلا أن تسجيل حالات سوء التغذية بين الأطفال لم ينقطع. وتشير بيانات وزارة الصحة إلى رصد حالات جديدة بشكل يومي تصل إلى المراكز الطبية، وتُسجّل رسميًا ضمن حالات سوء التغذية، ما يعكس استمرار الأزمة وعدم حدوث أي تحسن حقيقي على مستوى الأمن الغذائي داخل القطاع، ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية الإجراءات المتخذة خلال فترة التهدئة في كبح هذا التدهور.

من جانبه يحذر الدكتور أحمد الفرا من تزايد خطير في حالات سوء التغذية في قطاع غزة، مرجعًا ذلك إلى ما يصفه بسياسة "هندسة التجويع"، التي لا تقتصر آثارها على نقص كميات الغذاء المتاحة للسكان فحسب، بل تمتد لتشمل تدهور نوعية هذا الغذاء، بما ينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة، لا سيما لدى الأطفال.

ويوضح الفرا في مقابلة خاصة لـ"شهاب" أن المرحلة التي أعقبت اتفاق التهدئة الهش لم تشهد أي تحسن فعلي في الواقع الغذائي داخل القطاع، بل على العكس، شهدت استمرار إدخال مواد لا تسهم في معالجة سوء التغذية. ويبين أن ما يُسمح بدخوله يقتصر، في كثير من الأحيان، على أصناف محدودة مثل الدقيق، وبعض المنتجات المخصصة للأطفال، إلى جانب الشوكولاتة والمشروبات الغازية والوجبات الخفيفة، وهي مواد، رغم توفرها، لا تمتلك القيمة الغذائية اللازمة، ولا يمكن أن تشكل بديلاً حقيقيًا عن الغذاء الصحي المتوازن.

ويشير إلى غياب شبه كامل للمواد الغذائية الأساسية الضرورية، مثل اللحوم الطازجة والدجاج والأسماك، فضلًا عن نقص الفواكه، لافتًا إلى أنه حتى في حال توفر بعض هذه الأصناف، فإن أسعارها تكون مرتفعة بشكل يفوق القدرة الشرائية للمواطنين. كما يؤكد أن أسعار الخضروات تشهد ارتفاعًا غير مسبوق، الأمر الذي يجعل من الحصول على وجبات غذائية متكاملة تحديًا يوميًا بالغ الصعوبة لغالبية الأسر في القطاع.

دلالة واضحة

وفي هذا الإطار، يلفت الفرا إلى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية، مقدمًا مثالًا واضحًا على ذلك، حيث ارتفع سعر طبق البيض إلى نحو اثني عشر ضعف سعره قبل الحصار. كما أشار إلى أن سعر كيلو الدجاج المجمد ارتفع إلى نحو 40 شيكل، مقارنة بنحو 8 شيكل قبل الأزمة، ما يعكس فجوة هائلة بين الأسعار الحالية ومستويات دخل السكان.

وتعزز البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني صورة التدهور المتسارع في الأوضاع المعيشية داخل قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب والحصار وتعطل سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق المعطيات، سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة ارتفاعًا حادًا بنسبة 12.42% خلال شهر آذار الماضي، في دلالة واضحة على تسارع وتيرة الغلاء، لا سيما في أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، التي تشهد قفزات كبيرة نتيجة نقص المعروض واضطراب الأسواق.

ويضع هذا الارتفاع المتواصل في الأسعار عبئًا إضافيًا على كاهل الأسر، التي تواجه أصلًا ظروفًا معيشية قاسية، تشمل النزوح وفقدان مصادر الدخل وشح الخدمات، ما يدفعها إلى تقليص إنفاقها الغذائي، والاعتماد على خيارات محدودة تفتقر في كثير من الأحيان إلى القيمة الغذائية الكافية.

ويؤكد الفرا أن تداعيات هذا الواقع لا تقتصر على الشعور بالجوع، بل تتجاوز ذلك إلى آثار صحية خطيرة، خاصة في أوساط الأطفال، إذ يؤدي غياب الغذاء المتوازن إلى إضعاف جهاز المناعة، وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض. كما يحذر من احتمالات ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مزمنة، مثل السكري، إلى جانب مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، فضلًا عن التأثيرات السلبية على القدرات الذهنية، بما في ذلك ضعف الذاكرة لدى الأطفال.

ويخلص الدكتور أحمد الفرا إلى أن ما يجري في قطاع غزة لم يعد مجرد أزمة غذائية تقليدية، بل يمثل نمطًا ممنهجًا من تقويض الأمن الغذائي، من خلال تقييد إدخال المواد الأساسية، مقابل السماح بدخول أصناف لا تلبي الاحتياجات الصحية للسكان، وهو ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتعميق آثارها على المدى القريب والبعيد.

وفي هذا الإطار، انتقد مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، طبيعة المساعدات التي تصل إلى قطاع غزة، مؤكدًا أنها لا تلبي الاحتياجات الأساسية اللازمة لحياة السكان، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية.

"سعرات بلا إنقاذ"

وأوضح البرش، في منشور عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ما يدخل إلى القطاع يعكس مشهدًا وصفه بـ"العبث المر"، حيث تصل شاحنات محمّلة بمواد مثل "الجيلي"، وأخرى تحتوي على شوكولاتة، بما فيها "النوتيلا"، إلى جانب كميات من المشروبات الغازية، وكأنها تمثل أولوية في الإغاثة، رغم افتقار السكان إلى مقومات الحياة الأساسية.

وأضاف أن زيوت تشغيل المولدات الكهربائية لا تزال ضمن المواد المقيدة، رغم ضرورتها لتشغيل المرافق الحيوية، مشيرًا إلى أن حضّانات الأطفال تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء، ولا يمكن أن تعمل في ظل غيابها، في دلالة واضحة على حجم التناقض بين طبيعة المواد التي يُسمح بإدخالها وتلك التي يتم منعها.

وأكد البرش أن ما يجري لا يمكن اعتباره إدخالًا عشوائيًا للمساعدات، بل يعكس نمطًا واضحًا من الاختلال في منظومة الإغاثة، يقوم على إغراق القطاع بمواد استهلاكية، مقابل حرمانه من الاحتياجات الأساسية.

وبيّن أن هذا الواقع يختزل بصورة لافتة في معادلة "سعرات بلا إنقاذ"، حيث تتوفر منتجات ذات قيمة حرارية، لكنها تفتقر إلى القيمة الغذائية الحقيقية، ولا تسهم في إنقاذ حياة المرضى أو تحسين الوضع الصحي.

وأشار إلى أن هذا التناقض يعكس خللًا خطيرًا في طبيعة الاستجابة الإنسانية، موضحًا أن القطاع "يغرق بالشوكولاتة مقابل حرمان من أسباب البقاء"، في صورة تختزل مظاهر إغاثة ظاهرية، تخفي، وفق تعبيره، تصميمًا مقصودًا يفاقم الأزمة الإنسانية.

وتساءل البرش، في ختام تصريحاته، عن المنطق الذي يسمح بإدخال مواد ترفيهية أو غير أساسية، في مقابل منع مواد حيوية تمس بقاء الإنسان، مؤكدًا أن الكارثة في قطاع غزة لم تعد تقتصر على نقص المساعدات، بل تمتد إلى طبيعتها وتركيبتها، بما يعمّق معاناة السكان ويهدد حياتهم بشكل مباشر.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة