تقرير خسارة بلا تجارة.. كيف ينهار الدولار في غزة وتتبخر مدخرات الغزيين دون هوامش صمود

خاص/ شهاب

بنظرة قهر واضحة، يتابع الغزي ناجي شاشة أسعار العملات عبر هاتفه النقال، يراقب انهيار عملة الدولار أمام الشيكل "الإسرائيلي" دون أن يجري أي عملية بيع أو شراء، يتأمل بقلق ما يحدث في راتبه المقوّم بالدولار، والذي تبخّر أكثر من ثلثه خلال الشهر الأخير دون أن يتحرك خطوة واحدة في أي سوق.

ما يحدث مع ناجي الخالدي "29 عاماً" ليس وضعاً استثنائياً في قطاع غزة، بل يعكس حالة أوسع يعيشها الغزيون مع كل تغير في سعر الصرف، حيث لا تُقاس الخسارة بما يُتاجر به الناس، بل بما يُمسكون به في جيوبهم من عملة تتغير قيمتها يوماً بعد يوم.

يشهد الدولار تراجعاً ملحوظاً أمام الشيكل الإسرائيلي لم يحدث منذ أكثر من 20 عاماً، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها توجهات السياسة النقدية الأمريكية، وتحسن أداء اقتصادات كبرى، فضلاً عن مخاوف تتعلق بالدين والعجز، وتحولات في النظام التجاري العالمي.

غير متوازن

يحمل هذا التراجع اليومي منذ بداية العام تعميقاً للأزمة المعيشية في قطاع غزة لغالبية العائلات التي تعيش تحت الإبادة، وتتلقى رواتبها بعملة الدولار، أو أولئك الذين يعتمدون على تحويلات أبنائهم وأقاربهم خارج البلاد كنوع من الإعالة التي فرضتها ظروف الحرب والإبادة، حيث يتحول انخفاض الدولار إلى عامل إضافي يفاقم الضغوط الاقتصادية على مختلف الشرائح.

ويأتي هذا التراجع في سياق اقتصادي معقد وغير متوازن، يتسم بارتفاع حاد في الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، واستمرار القيود المفروضة على حركة السلع والأموال، وانغلاق الواقع السياسي.

ورغم القاعدة الاقتصادية التي تفترض أن انخفاض الدولار يؤدي إلى تراجع أسعار السلع المستوردة، فإن الأوضاع في غزة خارج المعادلة أصلاً؛ فالأسعار تبقى كما هي دون تغير، وفي بعض الحالات تشهد ارتفاعاً، يلمسه المواطن دون أن يلمس أي انفراج حقيقي في تكاليف المعيشة منذ عامين ونصف.

من جانبه، يشرح أنور المغربي، تاجر مواد غذائية، كيف أصبح تعديل الأسعار مرتبطاً بتوقعات السوق لا بتغيرات العملات. يقول إن "التجار باتوا يتعاملون بحذر شديد، لأن أي انخفاض في الدولار لا ينعكس فوراً على أسعار الشراء أو الشحن أو التكاليف غير المباشرة". هذا الحذر، بحسبه، يجعل الأسعار "ترتفع إلى الأعلى بسرعة، لكنها لا تتراجع بنفس السرعة".

من جانبه، يقول الاقتصادي أحمد أبو قمر إن ما يحدث في غزة يمثل نموذجاً واضحاً لما يُعرف بـ"تشوّه انتقال الأسعار"، حيث لا تنعكس التغيرات في أسعار الصرف على المستهلك النهائي كما هو متوقع. وتعود أسباب ذلك إلى عدة عوامل، من بينها محدودية المنافسة، وعدم استقرار الإمدادات، وتعدد العملات داخل السوق، إضافة إلى التوقعات التضخمية التي تدفع التجار إلى تثبيت الأسعار بدل خفضها، فضلاً عن تكاليف خفية مثل النقل والتخزين والتلف التي تشهدها غزة بفعل تداعيات الحرب.

ويتابع: توصف الأسعار بأنها "لزجة نزولاً"، أي أنها لا تنخفض بسهولة رغم تراجع التكاليف، لكنها ترتفع بسرعة عند أي زيادة، ما يفاقم الأعباء على حياة المواطنين الذين تنعدم أمامهم أي هوامش أو مقومات للتكيف أو الاستمرار.

ويستدرك أبو قمر في حديثه أن تأثير تراجع الدولار لا يتوقف عند الأفراد وحدهم، بل يمتد ليشمل المؤسسات الإغاثية الدولية العاملة في غزة، والتي تتلقى تمويلها بالدولار، ثم تضخه في السوق المحلية بالشيكل. هذا التحويل، وفق تقديرات اقتصادية، يؤدي فعلياً إلى فقدان جزء من القيمة الحقيقية للمساعدات عند تحويلها، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بشكل غير مسبوق.

وينوه أبو قمر إلى أن الدولار في غزة لا يُعامل كعملة أجنبية فقط، بل كجزء أساسي من بنية الاقتصاد اليومي. ويعود ذلك إلى اعتماد واسع على التحويلات الخارجية من الأقارب في الخارج، وعلى المساعدات الدولية التي تصل بالدولار، إلى جانب انعدام الثقة بالاقتصاد المحلي في ظل غياب عملة وطنية مستقرة واستمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

معادلة قاهرة 

يصف الاقتصادي ما يجري بأنه جزء من "اقتصاد الحرب"، موضحاً أن "الاقتصادات في بيئات الأزمات، مثل غزة، تفقد كثيراً من خصائصها الطبيعية، وتصبح أكثر تأثراً بالعوامل السياسية والقيود المفروضة من تأثرها بقوانين العرض والطلب".

ويضيف أن تعدد العملات المتداولة—بين الدولار والشيكل والدينار الأردني—يخلق حالة من عدم الاستقرار السعري، ويجعل المستهلك الطرف الأضعف في المعادلة، لأنه يتحمل كلفة التحويلات وتقلبات الأسعار دون حماية حقيقية.

في غزة، التي تثير معادلات غير مسبوقة ومتناقضة على مدار تاريخها، تتصدر المشهد اليوم معادلة "خسارة بلا تجارة"، إذ لا يحتاج كثير من سكان غزة إلى الدخول في التجارة ليخسروا أموالهم؛ فالموظف الذي يحتفظ براتبه بالدولار يخسر مع كل انخفاض، وصاحب المدخرات يراقب تآكل قيمتها بصمت، وحتى المستفيد من المساعدات الإغاثية يجد أن القيمة الفعلية لما يتلقاه تتغير من أسبوع لآخر.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة