خاص / شهاب
في كل مرة يفقد فيها الدكتور خليل الحية، رئيس حركة حماس في غزة ورئيس وفدها المفاوض، أحد أبنائه شهيدًا في قصف إسرائيلي غاشم، يظهر مباشرة عبر وسائل الإعلام كجبل من الصبر، مؤكدًا أن خسارته الشخصية لا تنفصل عن خسائر الشعب الفلسطيني عمومًا، وأن ما يتعرض له هو امتداد للعدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين.
أبناء الشعب الفلسطيني
مع تواتر الأنباء مساء أمس عن إصابة نجله عزام بجروح خطيرة جراء قصف إسرائيلي، ثم الإعلان صباح اليوم عن استشهاده متأثرًا بإصابته، عاد اسم الدكتور الحية إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي في سياق يتقاطع فيه الفقد العائلي مع الخطاب الصمود السياسي.
وفي تعليقاته التي تلت الحادثة، أكد الحية أن ما يجري يأتي ضمن محاولات الاحتلال لفرض وقائع سياسية وأمنية عبر القتل والضغط، لكنه شدد على أن هذه السياسات لن تنجح في كسر إرادة الفلسطينيين أو دفعهم للتراجع عن قضيتهم.
وأشار إلى أن أبناءه، كما غيرهم، هم جزء من الشعب الفلسطيني دون تمييز، وأن مشاعره تجاههم لا تنفصل عن مشاعر الفلسطينيين تجاه شهدائهم في مختلف أماكن وجودهم.
كما كرر الحية أن كل من يتم استهدافهم هم "أبناء الشعب الفلسطيني"، وأن دماءهم ومصيرهم واحد، معتبرًا أن الاحتلال يسعى إلى تبرير عملياته العسكرية بعد فشلها عبر روايات متعددة. ويرى أن استهدافه شخصيًا أو استهداف عائلته لا يختلف، من حيث المبدأ، عن استهداف أي فلسطيني آخر، في سياق حرب أوسع تطاول الفلسطينيين عامة.
يُنظر إلى الدكتور خليل الحية داخل الشارع الفلسطيني بوصفه نموذجًا لقيادة تعيش تحت الحرب، حيث لا تُقدَّم القيادة باعتبارها موقع امتياز سياسي، بل كمسار ممتد من التضحيات والخسارات الشخصية المتكررة. وفي هذا السياق، برز اسمه خلال السنوات الثلاث الماضية بشكل لافت كأحد أبرز وجوه التفاوض بين حركة حماس وإسرائيل عبر الوسطاء.
وُلد الحية عام 1960، ونشأ في بيئة مشبعة بروح المقاومة، وتدرج في مواقع تنظيمية وسياسية داخل حركة حماس، من بينها عضويته في المجلس التشريعي المنتخب عام 2006، وتوليه مسؤولية ملف العلاقات العربية، ثم لاحقًا منصب نائب رئيس الحركة في غزة. ومع استشهاد القيادي يحيى السنوار، برز الحية في موقع قيادي أكثر مركزية، متوليًا إدارة ملف المفاوضات ورئاسة الحركة.
لكن هذه المفاوضات، وفق ما يطرحه الحية في خطابه السياسي، لا تُفصل عن سياق الميدان، بل تُقدَّم باعتبارها امتدادًا له؛ معركة تُخاض بالكلمة والورقة لا تقل، في نظره، خطورة عن المواجهة العسكرية.
أثمان ثقيلة
وفي موازاة هذا الدور السياسي، دفع الحية أثمانًا شخصية ثقيلة على مدار سنوات الصراع؛ إذ نجا مرات عديدة من محاولات اغتيال، أبرزها في مايو 2007، حيث استهدف طيران الاحتلال منزل عائلته في حي الشجاعية، مما أدى إلى استشهاد 8 أفراد من العائلة، بينهم إخوته وأبناء عمومته.
وثانيها في يوليو 2014، خلال الاجتياح البري لحي الشجاعية، حيث استهدف الاحتلال منزل العائلة مرة أخرى، مما أسفر عن استشهاد نجله أسامة وزوجته هالة أبو هين وطفليهما (خليل وأمامة).
وفي ذات الحرب عام 2014، فقد ابنه حمزة خليل الحية، أحد قادة الوحدات النخبوية في كتائب القسام. في حين فقد نجله همام، الذي استُهدف في مقر الوفد المفاوض في الأراضي القطرية عام 2025.
واليوم، أعلن استشهاد نجله الرابع عزام خليل الحية، ليضاف إلى سجل طويل من الفقد الشخصي الذي رافق القيادي الفلسطيني خلال مسيرته السياسية والتنظيمية.
هذا التداخل بين المسار السياسي والخسارة الشخصية يضع الحية في موقع يُنظر إليه داخل قطاعات من الفلسطينيين باعتباره جزءًا من تجربة جماعية أوسع، حيث تتقاطع القيادة مع المعاناة اليومية، ويصبح الفقد العائلي امتدادًا مباشرًا لفقد المجتمع الفلسطيني الأوسع تحت وطأة الحرب.
من جانبها أكدت حماس أن الجريمة الإسرائيلية التي استهدفت عزّام الحية تمثل امتدادًا لنهج الاحتلال القائم على استهداف المدنيين وعائلات القيادات الفلسطينية، في محاولة للضغط على مواقف المقاومة والتأثير على قراراتها السياسية عبر أدوات الترهيب والقتل.
وتكشف التناقضات والارتباك في الرواية الإسرائيلية بشأن العملية حجم التخبط داخل منظومة القرار في تل أبيب، وتؤكد أن الاستهداف جاء في سياق محاولات ممارسة ضغط مباشر على الوفد المفاوض وقيادة المقاومة، بعد فشل الاحتلال في فرض شروطه أو تحقيق أهدافه السياسية والميدانية.
وفي المقابل، يؤكد الفلسطينيون أن هذا النمط من الاستهداف لن يُستخدم كأداة ابتزاز سياسي، وأن الدم الفلسطيني لن يدفع نحو التراجع عن الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها وقف العدوان، وإنهاء الحصار، والانسحاب الكامل من قطاع غزة.
تصعيد سياسة الانتقام
كما أن استهداف أبناء القيادات الفلسطينية لن ينجح في إضعاف موقف المقاومة، بل على العكس، يعزز من تماسكها ويزيد من الالتفاف الشعبي حولها، باعتبارها تخوض معركة تتقاسم فيها الكلفة ذاتها مع أبناء شعبها، الذين يواجهون يوميًا تبعات الحرب في مختلف أماكن وجودهم داخل القطاع.
ويعكس لجوء الاحتلال إلى هذا النوع من العمليات، بحسب المراقبين، أزمة سياسية وأمنية متفاقمة، وعجزًا عن تحقيق إنجازات ملموسة، ما يدفعه إلى تصعيد سياسة الانتقام ومحاولة فرض معادلات ردع عبر استهداف العائلات والمدنيين.
وتبقى دماء الشهداء، رغم فداحة الخسائر، عاملًا مركزيًا في تعزيز صمود الفلسطينيين، ودافعًا لاستمرارهم في الدفاع عن حقوقهم الوطنية المشروعة حتى إنهاء الاحتلال ونيل الحرية.
