خاص - شهاب
كثف الاحتلال الإسرائيلي في الآونة الأخيرة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، ولبنان، تزامنا مع وقف اطلاق النار وجولات المفاوضات المنعقدة مع الوسطاء لتثبيت ما تم الاتفاق عليه في غزة، والاتفاق على خارطة طريق في لبنان وايران.
ويتبجح الاحتلال بعد كل عملية من تلك العمليات، بأن سياسات الردع باتت مختلفة، وأنه سيواصل فرض تواجده في الميدان سواء في القطاع أو لبنان، وبالتالي فرض أمر واقع على الوسطاء والطرف الآخر.
اليد الطولى
من جانبه، قال المحلل السياسي سليمان بشارات إن سلوك الاحتلال التصعيدي، واختيار التوقيت ليس عبثياً، بل يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، مشيرا إلى أن "إسرائيل" تسعى لفرض معادلة "اليد الطولى" المتحررة من القيود السياسية، وفصل الاحتياج الأمني الميداني عن المسارات السياسية، بالإضافة إلى استنزاف قدرات المقاومة وبيئتها الحاضنة.
وأضاف بشارات في تصريح خاص لوكالة شهاب أن الاحتلال يريد أن يثبت معادلة "اليد الطولى" المتحررة من كل القيود السياسية، بحيث يستطيع أن تفعل ما يشاء وأينما يشاء، وهذا المنظور، الذي يقدمه المستوى السياسي الإسرائيلي على أنه إنجاز، يهدف إلى إبقاء الدور والمكانة السياسية في الحالة الميدانية. مؤكدا أن تزامن حادثة الاغتيال في قطاع غزة ولبنان لقائد قوة الرضوان مع المحادثات الإيرانية الأمريكية، يؤكد هذا التوجه الإسرائيلي.
المسار الثاني الذي يسعى إليه الاحتلال، وفقاً لبشارات، هو فصل الاحتياج الأمني الميداني عن المسارات السياسية، بمعنى أن "إسرائيل" لا تريد أن تكون تحت ضغط المسارات السياسية، وتريد أن تعمل في الميدان وكأنه لا يوجد مسار سياسي أو دبلوماسي، وهذا يعطي "إسرائيل" مساحة زمنية لتحقيق ما تريد من إنجازات ميدانية أو أهداف على الأرض، بعيداً عن أي ضغوط سياسية محتملة.
ويبين بشارات أن الأمر الثالث من وراء تلك السياسيات، فيرتبط بخشية الاحتلال من وصول المفاوضات الإيرانية الأمريكية إلى اتفاق سياسي شامل قد تكون له انعكاسات على قدرتها في التعامل مع الحالة الميدانية في قطاع غزة بالتحديد. لذلك، تسعى "إسرائيل" إلى استبقاء كل هذه الأحداث لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات التي يمكن أن تؤثر على بنية المقاومة أو البيئة الحاضنة لها، وتفرغها من قدراتها وأدواتها.
ويتابع" إسرائيل تريد أن تحتفظ لنفسها بالنقاط التي يمكن أن تستخدمها في أي مسارات سياسية مستقبلية، إضافة إلى استنزاف القدرات والمقدرات والبيئة الحاضنة للمقاومة في قطاع غزة ولبنان، لضمان ألا يعود قطاع غزة ليشكل مصدر خوف أو هاجس أمني لها في المدى القصير والمتوسط".
وأردف:" هذه السياسة الإسرائيلية من عمليات الاغتيال والاستهداف واستمراريتها هي جزء من منهجية ومعادلة تريد إسرائيل أن تفرضها بشكل كبير جداً، وأن تعمل على عملية تفكيك البيئة الداخلية الفلسطينية".
وأكد بشارات أن التجربة الفلسطينية مليئة بحالة التحدي والصمود وإعادة ترميم الذات من الداخل، رغم حالة الاستنزاف التي تتعرض لها المقاومة على مدار سنوات طويلة. فـ "إسرائيل" استخدمت هذه المنهجية منذ احتلالها لفلسطين عام 1948، ولكن الحالة الوطنية بقيت مستمرة والبنية الوطنية حاضرة رغم كل هذه الأثمان.
ويرى بشارات أن إسرائيل ما زالت غير قادرة على إنهاء مشروع المقاومة، بل ربما تبطئ من قدراتها، لكنها لا تستطيع إنهاء هذا المشروع المرتبط بوجود الاحتلال الإسرائيلي.
ترميم الردع
وفي ذات السياق، قال المحلل السياسي محمد القيق إن الاحتلال يسعى من وراء سياسة الاغتيالات، إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بما يخدم مصالحها على المدى الطويل، مضيفا أن الهدف الأبرز من وراء تلك السياسة هو استعادة الأجواء التي كانت سائدة قبل تحرير قطاع غزة عام 2005.
وأضاف القيق في تصريح خاص لوكالة شهاب، أن الاحتلال يريد أن يغتال من يشاء ويمده يده لمن يريد دون أن يواجه ردة فعل فلسطينية مؤثرة، أو حتى قراراً دولياً يسمح للفلسطينيين بالرد أو يقبل ردهم، وهو ما يسمى "إعادة التجهيز أو إعادة ترميم الردع"، بعد أن فقدت "إسرائيل" جزءاً كبيراً من قدرتها على الردع على مدار أكثر من 21 عاماً.
وأشار القيق إلى أن ثمة دوافع أخرى من وراء تلك السياسات وهو فرض مزيد من الهيمنة على الوسطاء في أي مفاوضات أو اتفاقيات، بدافع تنزيل مستويات وسقف المطالب وتقليم الأوراق المتفق عليها، بحيث يتم الوصول إلى عدد أقل من البنود المتفق عليها (مثل خمسة أو ثلاثة بنود بدلاً من عشرة)، ويُعتبر ذلك إنجازاً للوسطاء، مما يضمن أن أي حلول مستقبلية تتناسب تماماً مع الرؤية "الإسرائيلية".
أما الدافع الثالث، فيتمثل في تفريغ الجبهات وإعادة ترتيب الأولويات بالنسبة "للإسرائيليين"، بهدف إشغال الساحة الداخلية، مشيرا إلى أن نتنياهو يسعى من خلال هذه السياسة إلى الابتعاد عن أي تساؤلات حول انتهاء الحرب في غزة، وكأنه يريد إبقاء مشهد الحرب قائماً لتجنب المساءلة عن "اليوم التالي" في غزة، أو نتائج السابع من أكتوبر، أو حتى الفشل الذي يواجهه حالياً في لبنان والملف الإيراني، وبالتالي هذه الاغتيالات، تعزز من نظرية "إسرائيل ما قبل 2005" والحالة القائمة التي كانت عليها.
ويؤكد القيق أن هذا الأسلوب هو السائد حالياً لدى نتنياهو، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى تخليه عنه، بل على العكس، سيزيد من حدته، فبالتزامن مع هذه السياسات، يدعم نتنياهو الميليشيات المسلحة في غزة، وينشر الفوضى، ويشل الشرطة، ويعرقل دخول أي لجنة وطنية. هذا كله ممنهج وليس عبثياً، موضحاً أن إسرائيل أخذت فقط وقف إطلاق النار والمصادقة عليه للإفراج عن الأسرى "الإسرائيليين"، ومن ثم تنتهي الحكاية بقرار عسكري إسرائيلي.
