تقرير - شهاب
تتصاعد حدة الخلافات الداخلية في أروقة حركة فتح مع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر العام الثامن والمقرر في الرابع عشر من الشهر الجاري، إذ تسود حالة من التوتر غير المسبوق بفعل اتهامات للجنة التحضيرية بالانحياز وتفصيل قوائم العضوية وفق "مقاسات الولاء الشخصي"، الأمر الذي ولد موجة سخط عارمة بين كوادر الحركة الذين رأوا في هذه الإجراءات محاولة لاختطاف الحركة وتحويلها إلى "إقطاعيات شخصية" بعيدا عن تاريخها النضالي.
ويرى مراقبون أن حركة فتح تعيش حاليا واحدة من أصعب أزماتها التنظيمية، إذ بات المؤتمر الثامن يمثل نقطة افتراق لا التقاء، في ظل "التحشيد الزبائني" الذي يمارسه المتنفذون في اللجنة المركزية لتأمين مستقبلهم السياسي، وهو ما ينذر بحدوث انشقاقات أو "هبّة تنظيمية" من القواعد المهمشة التي تشعر أن دورها النضالي والتاريخي يُذبح على مقصلة المصالح الفئوية الضيقة.
"اعتداء على كرامة المناضلين"
الكادر الفتحاوي خالد مراعبة أكد أن الكوادر والمناضلين في كافة الساحات لن يقفوا صامتين أمام "مس اللجنة التحضيرية بكرامة الكادر الفتحاوي"، منتقداً استبعاد خيرة المناضلين من قوائم المؤتمر.
وشدد مراعبة في منشور له عبر فيسبوك أن الميدان لن يُترك لمن يتوخون وسائل الإقصاء والتهميش لتحقيق مصالحهم الخاصة، مطالبا اللجنة التحضيرية بتصحيح اعتداءاتها المخالفة للنظام الداخلي أو الاستقالة فورا، محملا إياها المسؤولية الكاملة عن التداعيات التنظيمية المقبلة.
وأضاف مراعبة أن "فتح أكبر من كل اللجان التحضيرية وأن الكوادر شركاء في رأس المال بتضحياتهم، مطالبا اللجنة التي عملت على إقصاء الكوادر بتحمل مسؤولية أعمالها المخالفة للنظام، فإما تصحيح الاعتداء على كرامة المناضلين أو الاستقالة التي اعتبرها الخيار الأفضل لها وللحركة.

"مذبحة أسماء"
من جانبه، حذر القيادي الفتحاوي والكاتب السياسي مروان طوباسي من خطورة انعقاد المؤتمر في ظل ما وصفه بـ "مذبحة الأسماء" التي رافقت إعداد قوائم العضوية، داعيا إلى ضرورة التريث وتأجيل المؤتمر لحين تصويب التجاوزات الصارخة.
واعتبر طوباسي أن تسريب قوائم العضوية القائمة على "التحشيد الزبائني" يمثل خرقا صريحا للمادة الخامسة من النظام الداخلي للحركة، مؤكدا أن ما يحدث يفتح الباب أمام أزمة تنظيمية ووطنية عميقة تتجاوز سلامة المؤتمر نفسه.
وأشار طوباسي إلى أن حالة الاستبعاد المتعمد طالت عددا من الكوادر التاريخيين، لا سيما قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، مما أثار موجة غضب واسعة داخل الأطر التنظيمية.
وأوضح أن القواعد الفتحاوية باتت تؤمن يقينا بأن المؤتمر يجري "تفصيله" بناءً على حسابات الولاء والنفوذ الشخصي بدلا من معايير الكفاءة والنضال، محذرا من أن انعقاد المؤتمر بصيغته الحالية سيعمق الانقسام الداخلي ويضعف قدرة الحركة على مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه الشعب الفلسطيني.
نداء للإنقاذ من "الاختطاف" الفئوي
وفي محاولة لتقديم حلول تنظيمية، وجه الكادر الفتحاوي في إقليم الوسطى بالمحافظات الجنوبية، شريف البحيصي، نداءً لرئيس السلطة محمود عباس، طالب فيه بضرورة اعتماد آلية تمثيل واضحة تقطع الطريق على "سعار" الترشح للمركزية والثوري.
وحذر البحيصي من خطورة "السحيجة" الذين تم "دسهم" في عضويات المؤتمر لتمرير أجندات معينة، مطالبا باتخاذ قرارات حاسمة في الجلسة الافتتاحية تحمي الحركة من "الاختطاف" لمصالح شخصية ضيقة تسببت في حالة سخط عام متزايد بين القواعد.
واقترح البحيصي الخروج من "لغط المؤتمر" عبر زيادة عدد أعضاء اللجنة المركزية من 18 إلى 25 عضوا، بحيث تُمثل كل محافظة من محافظات الوطن الـ 16 بعضو مركزية واحد، مع تخصيص 9 مقاعد لساحات الشتات والمهجر، كما طالب بزيادة أعضاء المجلس الثوري إلى 99 عضوا، لتوزيعهم بواقع 4 أعضاء لكل محافظة، لضمان تمثيل حقيقي يمنع التلاعب بالعضويات ويحمي الحركة من العقاب الشعبي في أي استحقاقات انتخابية قادمة.
وطالب بإصدار تعليمات فورية لإقرار هذه الآلية حتى لو تطلب الأمر استمرار المؤتمر لأسبوع كامل، وذلك لقطع الطريق على المتنفذين الذين يحاولون تحويل الحركة إلى "شركة خاصة" تخدم أهدافهم الشخصية فقط.
وحذر البحيصي من تحويل فتح إلى "إقطاعيات شخصية وعائلية" قد تنهي تاريخها، مشيرا إلى أن الصمت على تجاوزات اللجنة التحضيرية سيعزز حالة النفور التنظيمي ويؤدي إلى تآكل القاعدة الجماهيرية للحركة، داعياً كافة الكوادر الصادقة للوقوف في وجه عمليات التهميش التي تستهدف إفراغ الحركة من محتواها النضالي لصالح "شللية" تقود الحركة نحو المجهول.
وبحسب مراقبون، فإن المؤتمر الثامن لفتح يظهر كاستحقاق محفوف بالمخاطر، إذ تقف الحركة على فوهة بركان نتيجة السياسات الإقصائية، وبينما يصر المتنفذون على تمرير المؤتمر بأي ثمن لشرعنة وجودهم، تتوعد الكوادر "المهمشة" بإفشاله أو عدم الاعتراف بمخرجاته، مما يجعل مستقبل الحركة ووحدتها التنظيمية في مهب الريح، خاصة في ظل انعدام الثقة بين القاعدة والقيادة التي تُتهم بالانفصال عن الواقع الميداني والوطني.
