شكلت جريمة الاعتقال في سجون الاحتلال ولا تزال إحدى الركائز الأساسية للمشروع الاستعماري الصهيوني، بوصفها أداةً ممنهجة لاستهداف الوجود الفلسطيني، وكسر البنية المجتمعية والوطنية للشعب الفلسطيني، وذلك عبر سياسات القمع، والعزل، والتنكيل، والتعذيب، والإخفاء القسري، التي تصاعدت بوتيرة غير مسبوقة منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية على شعبنا في قطاع غزة.
وأوضحت مؤسسات الأسرى أنّ سلطات الاحتلال اعتقلت منذ بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ما يقارب 23 ألف مواطن من الضفة الغربية، بينهم نساء وأطفال وجرحى وأسرى محررون، فيما لا يشمل هذا المعطى آلاف حالات الاعتقال من غزة، في ظل استمرار الاحتلال بتنفيذ جريمة الإخفاء القسري بحق المئات من معتقلي القطاع، ورفضه الكشف عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم وظروفهم الصحية والإنسانية.
وأضافت أنّ التحولات التي فرضتها الإبادة الجماعية لم تقتصر على اتساع حملات الاعتقال فحسب، بل طالت طبيعة الجرائم المرتكبة داخل السجون والمعسكرات، حيث تحولت منظومة السجون إلى فضاءات منظمة للتعذيب والتجويع والإذلال والحرمان الممنهج من العلاج، في محاولة لضرب البعد الإنساني والوطني للأسرى، وكسر إرادتهم الجماعية والفردية.
وأكد نادي الأسير الفلسطيني، أنّ المرحلة الراهنة تُعدّ الأكثر دموية في تاريخ الحركة الأسيرة منذ عام 1967، في ظل تصاعد جرائم القتل البطيء والتعذيب والاعتداءات الجنسية والتجويع والحرمان الطبي، الأمر الذي أدى إلى استشهاد (89) أسيرًا ممن أُعلن عن هوياتهم فقط منذ بدء الإبادة، من بينهم أسرى ارتقوا نتيجة التعذيب المباشر أو التجويع أو الجرائم الطبية المتعمدة، لترتفع بذلك حصيلة شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم إلى (326) شهيدًا منذ عام 1967، في وقت لا يزال فيه الاحتلال يواصل إخفاء عشرات الشهداء من معتقلي غزة قسرًا.
وأشار إلى أنّ ما يواجهه الأسرى والأسيرات اليوم لا يمكن فصله عن التاريخ الطويل للنكبة الفلسطينية المستمرة، إذ إنّ سياسة الاعتقال الجماعي شكّلت منذ ما قبل النكبة جزءًا من أدوات السيطرة الاستعمارية التي بدأت خلال مرحلة الانتداب البريطاني، عبر القوانين الاستثنائية والمحاكم العسكرية وأنظمة الطوارئ، والتي ورثها الاحتلال الإسرائيلي وطوّرها لاحقًا لتصبح إحدى أكثر أدواته استخدامًا في إخضاع الفلسطينيين.
واعتقل الاحتلال على مدار عقود، أكثر من مليون فلسطيني، في محاولة مستمرة لاستهداف الوعي الجمعي الفلسطيني، وضرب البنية الاجتماعية والسياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، إلا أنّ الحركة الأسيرة، رغم كل محاولات العزل والقمع، نجحت في تحويل السجون إلى ساحات مقاومة وتنظيم ووعي وطني، وأسست لمسار نضالي طويل شكّل جزءًا أصيلًا من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
و عبر عقود من المواجهة، رسخ الأسرى أدوات نضالية متقدمة، كان أبرزها الإضراب المفتوح عن الطعام، الذي شكّل عنوانًا مركزيًا في معركة الدفاع عن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية، في مواجهة منظومة استعمارية سعت باستمرار إلى تجريدهم من إنسانيتهم.
ويعد استهداف الاحتلال لقيادات الحركة الأسيرة، ومحاولاته تفكيك البنية التنظيمية داخل السجون، وفرض واقع من الإرهاب المنظم بحق الأسرى والأسيرات، محاولة لكسر إرادتهم أو تغييب دورهم الوطني، إذ ما يزال الأسرى يمثلون رمزًا مركزيًا من رموز النضال الفلسطيني، وعنوانًا مستمرًا لمعركة الحرية والكرامة.
ويواصل الاحتلال اعتقال أكثر من 9400 أسير في سجونه، بينهم 86 أسيرة، و3376 معتقلًا إداريًا، إضافة إلى 1283 معتقلًا تصنفهم سلطات الاحتلال تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”، في إطار منظومة قانونية استثنائية تُستخدم لتكريس جرائم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الفلسطينيين.
