تقرير كيف استعادت الدراجات الهوائية حضورها في غزة وسط الركام والشوارع المدمرة

خاص / شهاب

بين ركام شوارع حي النصر في غزة، يتوقف وسيم أكثر من مرة أمام حفر وأكوام من الأنقاض تعيق مرور دراجته الهوائية. يترجل أحيانًا ويدفعها ببطء عبر مسارات ترابية شقّها السكان بين الركام للوصول إلى الطرق العامة. وفي الشوارع نفسها، تمر عشرات الدراجات الهوائية محمّلة بعبوات مياه واحتياجات يومية لأسر باتت تعتمد عليها كوسيلة تنقل أساسية، في مشهد صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.

استعادت الدراجات الهوائية حضورها في شوارع غزة، لكن ليس بوصفها وسيلة للرياضة أو نمط حياة اختياري، بل كحل فرضته الحرب على تفاصيل الحياة اليومية، في ظل شح الوقود، وتدمير واسع طال الطرق والمركبات، وتعطل شبه كامل لوسائل النقل التقليدية.

 حياة بديلة

وبرزت أزمة المواصلات مع الدمار غير المسبوق الذي طال البنية التحتية خلال الحرب، في وقت وجد فيه نحو مليوني فلسطيني أنفسهم داخل دائرة نزوح متكرر، وما رافق ذلك من ضغط كبير على حركة التنقل داخل القطاع.

وتشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن نحو 90% من البنية التحتية تعرضت لأضرار كلية أو جزئية، فيما تفيد وزارة النقل والمواصلات بأن نحو 70% من المركبات تعرضت للتدمير أو الضرر. كما تشير التقديرات إلى أن طرق مدينة خانيونس تعرضت لدمار يصل إلى نحو 90%، ما جعل الحركة بين المناطق أكثر صعوبة وتعقيدًا.

لم يعد التنقل في غزة رحلة يومية عادية. فمغادرة المنزل باتت تبدأ بانتظار طويل على جوانب طرق متضررة، بحثًا عن وسيلة نقل قد لا تتوفر أصلًا، وسط ازدحام وغياب شبه كامل لمنظومة نقل مستقرة.

ومع اتساع الاعتماد على الدراجات الهوائية في شوارع قطاع غزة، لم تعد هذه الوسيلة مجرد أداة للتنقل اليومي بين الأحياء، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد يومي هشّ يعتمد عليه عدد متزايد من الشبان لتأمين دخلهم في ظل الظروف الحالية.

ويقول وسيم طلبة "23 عامًا"، الذي يعمل في خدمات التوصيل (الديلفري)، إن الدراجة باتت مصدر دخله الوحيد، إذ يقضي يومه كاملًا متنقلًا بين المناطق لإيصال الطلبات، مضطرًا في كثير من الأحيان إلى سلوك طرق أطول أو الالتفاف عبر مسارات بديلة بسبب الركام وإغلاق بعض الشوارع.

جهد بدني 

ويعتمد وسيم على جهده البدني في عمل يمتد لساعات طويلة يوميًا، حيث يتغير مساره باستمرار تبعًا لحالة الطرق ومدى إمكانية المرور منها، في ظل غياب وسائل نقل بديلة أو ارتفاع كلفتها إلى مستويات لا يمكن تحمّلها بالنسبة لكثيرين.

لكن هذا الحل الذي فرضته الظروف لا يخلو من تعقيدات إضافية بحححسب وسيم ، إذ ومع تزايد الاعتماد على الدراجات كوسيلة للعمل والتنقل، بدأت تظهر في المقابل أزمة موازية داخل ورش صيانة الدراجات، مرتبطة بتزايد الأعطال من جهة، وبنقص قطع الغيار ومستلزمات الإصلاح من جهة أخرى، ما يضيف عبئًا جديدًا على هذا النمط المتزايد من الاعتماد اليومي عليها.

ويقول جميل الغرة، الذي يعمل في صيانة الدراجات الهوائية، إن أزمة الدراجات لم تعد مرتبطة فقط بزيادة الإقبال عليها أو ارتفاع عدد مستخدميها خلال الحرب، بل أصبحت أعمق من ذلك، إذ تتعلق أساسًا بندرة قطع الغيار ومستلزمات الإصلاح في الأسواق.

ويوضح أن كثيرًا من القطع الأساسية لم تعد متوفرة أصلًا، ما يضطر العاملين في هذا المجال إلى اللجوء لخيارات بديلة محدودة، مثل تفكيك دراجات قديمة لاستخدام أجزائها أو الاعتماد على قطع مستعملة لإبقاء الدراجات قيد التشغيل.

ويضيف أن طبيعة الطرق في قطاع غزة زادت من حجم المشكلة، إذ تتعرض العجلات والأجزاء الميكانيكية لأعطال متكررة نتيجة الركام والحفر وسوء حالة الطرق، ما يجعل عمليات الصيانة متكررة وشبه يومية في بعض الحالات.

إنجازًا يوميًا

ويشير إلى أن صيانة الدراجات لم تعد مرحلة تُنجز عند حدوث عطل فقط، بل تحولت إلى جزء مستمر من دورة الاستخدام نفسها، في ظل الظروف الحالية التي تجعل الحفاظ على الدراجة صالحة للحركة تحديًا قائمًا بحد ذاته.

في غزة، لا يبدو أن أي حل يبقى ثابتًا. فالعوائق لا تأتي من الأرض فقط، بل من واقع تتداخل فيه الأزمات: طريق يُغلق فجأة، أو قطعة تغيب، أو وسيلة تتعطل، لتتحول أبسط تفاصيل الحركة اليومية إلى اختبار مستمر للبقاء على الطريق.

تتحرك الدراجات الهوائية بين الركام والحفر ومسارات الطرق المدمرة كأحد آخر أشكال الحركة الممكنة في قطاع غزة، حيث لم تعد المسافات تُقاس بعدد الكيلومترات أو بطول الطريق، بل بمدى القدرة على اجتياز العوائق التي تفرضها حالة الدمار في كل اتجاه. ففي مدينة تغيّر شكلها تحت وطأة الحرب، يصبح الوصول من نقطة إلى أخرى مرتبطًا بقدرة الفرد على تجاوز الركام، وفتح طريقه بين شوارع فقدت ملامحها، ليغدو مجرد الوصول بحد ذاته إنجازًا يوميًا.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة