تقرير غزة تستقبل العيد بـ"صواريخ الموت".. نزوح متواصل وغياب الأضاحي وسط تفاقم الكارثة الإنسانية

خاص / شهاب

يحاول الغزيون، للعام الثالث على التوالي، البحث وسط الكارثة الإنسانية عن أي ملامح لعيد الأضحى، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن القطاع يستقبل العيد هذا العام بمزيد من الغارات والصواريخ "الإسرائيلية" التي تطال حياة المدنيين داخل مخيمات النزوح، وتواصل تدمير ما تبقى من منازل وأحياء غزة.

وعشية عيد الاضحي، تصاعدت عمليات القصف والإخلاءات الفترة الماضية والتي تُجبر مئات العائلات على مغادرة منازلها أو خيامها ، قبل أن تتعرض مربعات سكنية كاملة للقصف والتدمير خلال لحظات، لتتحول حياة مئات العائلات إلى رحلة نزوح جديدة ومعاناة مفتوحة، في قطاع يعيش سكانه بين الخيام والخوف المستمر من الاستهداف.

ففي الوقت الذي كانت فيه العائلات تحاول البحث عن أي ملامح باهتة للعيد، استشهدت طفلة وسيدة، إلى جانب شابين متأثرين بجراحهما، فيما أُصيب عشرات المواطنين جراء سلسلة غارات وإطلاق نار استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة.

موجة نزوح جديدة

في مخيم النصيرات وسط القطاع، تحول المساء إلى موجة نزوح جديدة، بعدما قصفت طائرات الاحتلال منزلًا لعائلة “الطويل” في منطقة بلوك 5، ما تسبب بدمار واسع طال المنازل المحيطة. خرجت العائلات إلى الشوارع تحت أصوات الانفجارات والغبار المتصاعد من الأبنية المدمرة، فيما سارع الأهالي لحمل ما تمكنوا من انتشاله، قبل أن يصدر جيش الاحتلال أوامر جديدة بإخلاء مناطق وسط المخيم، لتبدأ مئات العائلات رحلة نزوح جديدة قبل يوم فقط من عيد الأضحى.

وفي مواصي خان يونس، حيث تمتد خيام النازحين على أراضٍ رملية مكشوفة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وصلت الطفلة منى نبيل أبو لبدة شهيدة إلى مستشفى الكويت التخصصي الميداني، عقب استهداف خيمة تؤوي نازحين في شارع 5. الخيمة التي احتمت بها العائلة بعد فقدان منزلها تحولت، خلال لحظات، إلى ركام ودماء، بينما كان الناجون يحاولون انتشال الأطفال والمصابين من بين الأغطية الممزقة وأعمدة الخيام المتناثرة.

وفيما وصلت شهيدة أخرى، إلى جانب 17 مصابًا أُصيبوا بشظايا وجروح متفاوتة، داخل أروقة المستشفى المكدسة بالإصابات على الأسرة وفي الممرات، اختلطت أصوات سيارات الإسعاف ببكاء الأطفال وصراخ ذوي المصابين الذين كانوا يحاولون التعرف على أبنائهم وسط الفوضى.

ولم تتوقف حصيلة الضحايا عند الغارات الأخيرة، إذ أُعلن عن استشهاد الشاب أحمد سمير فرحات متأثرًا بجراح أصيب بها قبل يومين إثر قصف استهدف مواصي خان يونس، فيما استشهد نضال شلحة متأثرًا بإصابته جراء قصف سابق استهدف عناصر الشرطة قرب دوار الـ17 شمال غرب غزة.

أما شمال غزة، فلم يكن بعيدًا عن مشهد القصف المتواصل. فآليات الاحتلال المتمركزة شمال بيت لاهيا أطلقت نيرانها باتجاه المناطق السكنية، فيما تعرضت المناطق الشرقية لمخيم جباليا وشرق مدينة غزة لقصف مدفعي متكرر. وعلى سواحل مدينة غزة، فتحت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها تجاه مراكب الصيادين.

وسط هذه المشاهد، تستقبل غزة عيد الأضحى بالنزوح والدمار بدلًا من مظاهر الفرح المعتادة. فلا ازدحام في الأسواق، ولا أطفال يحملون ملابس جديدة، بل خيام مكتظة بالعائلات الهاربة من القصف، وأهالٍ يقضون أيامهم بين البحث عن الطعام ومحاولة العثور على مكان أكثر أمانًا قبل حلول العيد.

ولم تتوقف آثار الحرب عند القصف والنزوح فقط، بل امتدت لتطال واحدة من أبرز الطقوس المرتبطة بعيد الأضحى في غزة، مع غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي، نتيجة الانهيار شبه الكامل لقطاع الثروة الحيوانية داخل القطاع.

ويقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، رأفت عسلية، إن الحرب المستمرة ومنع الاحتلال إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية عبر المعابر، أديا إلى تدمير قطاع المواشي بصورة غير مسبوقة، ما حرم آلاف العائلات من أداء شعيرة النحر وعيش أجواء العيد المعتادة.

بلا أضاحي

ووفق معطيات وزارة الزراعة، تراجعت أعداد الأغنام والماعز في غزة من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى قرابة 3 آلاف فقط، فيما اختفت تقريبًا العجول والأبقار المخصصة للذبح من الأسواق المحلية، بعد توقف عمليات الاستيراد بشكل كامل، التي كانت توفر سنويًا عشرات آلاف الرؤوس لتغطية احتياجات موسم عيد الأضحى.

وفي أسواق المواشي القليلة التي ما تزال تعمل، تبدو الحظائر شبه فارغة مقارنة بالمواسم السابقة التي كانت تشهد ازدحامًا كبيرًا قبيل العيد. أما الأسعار، فقد تجاوزت قدرة معظم السكان بشكل كامل، إذ يتراوح سعر الخروف أو الجدي بين 11 و15 ألف شيكل، بحسب الوزن، في وقت تعيش فيه غالبية العائلات بلا رواتب أو مصادر دخل ثابتة.

ولا يرتبط غياب الأضاحي هذا العام بالشعيرة الدينية فقط، بل يعكس أيضًا حجم الانهيار الغذائي الذي يعيشه القطاع، في ظل اعتماد آلاف العائلات على المساعدات الإنسانية واللحوم المجمدة المحدودة، بعد تراجع الإنتاج الحيواني المحلي بصورة حادة.

ويؤكد مواطنون أن شراء الأضحية بات خارج حسابات معظم الأسر، التي تكافح أصلًا لتأمين الخبز والمياه وبعض المعلبات داخل الخيام ومراكز النزوح. وبينما كان الأطفال في غزة ينتظرون مواسم العيد لرؤية الأضاحي وعيش أجواء الذبح والتوزيع، تمر المناسبة هذا العام وسط الجوع والنزوح والقصف، في مشهد يعكس حجم التغير الذي أصاب تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.

من جانبه، يقول رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن الكارثة الإنسانية في القطاع تتفاقم بصورة غير مسبوقة، نتيجة استمرار الحصار ومنع إدخال الكميات الكافية من المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية والوقود، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة أكثر من 2.4 مليون فلسطيني يعيشون أوضاعًا معيشية قاسية.

"الاستثنائية والمأساوية"

ويؤكد الثوابتة أن القطاع يعاني من نقص حاد ومتفاقم في المواد الغذائية الأساسية، وسط انهيار واسع في الأمن الغذائي، بسبب القيود المفروضة على إدخال السلع وتعطيل حركة الإمدادات الإنسانية والتجارية، موضحًا أن الكميات التي تدخل إلى غزة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان، في ظل اتساع رقعة الفقر والنزوح وتدمير مصادر الدخل والإنتاج المحلي.

ويضيف أن أزمة الوقود تواصل تعميق معاناة السكان، بعدما أدت القيود الإسرائيلية إلى اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار وتراجع قدرة المخابز والمنشآت الحيوية على العمل، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية مع حلول عيد الأضحى، الذي يأتي هذا العام في ظل ظروف وصفها بـ"الاستثنائية والمأساوية".

وبحسب الثوابتة، فإن الاحتلال يواصل التنصل من التزاماته المتعلقة بإدخال المساعدات، رغم أن الاتفاق ينص على إدخال 600 شاحنة يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود. ويشير إلى أن ما دخل فعليًا إلى القطاع لا يتجاوز 37% من إجمالي الشاحنات المتفق عليها، فيما لم تتجاوز نسبة الوقود الذي سُمح بإدخاله 14% فقط من الكميات المحددة.

ويوضح أن عدد الشاحنات التي دخلت قطاع غزة خلال الأسبوع الماضي بلغ 1196 شاحنة فقط، من أصل 4200 شاحنة كان من المفترض دخولها خلال الفترة نفسها، معتبرًا أن هذه الأرقام تكشف حجم التدهور الإنساني وتؤكد استمرار سياسة الحصار والتجويع بحق سكان القطاع.

وفيما يتعلق بعيد الأضحى، يشير الثوابتة إلى أن غزة تعيش نقصًا حادًا في المواشي والأضاحي نتيجة منع إدخال العجول والخراف منذ سنوات، ما جعل موسم الأضاحي هذا العام “غير طبيعي”، في ظل اختفاء الأضاحي من الأسواق وارتفاع أسعار المتوفر منها بصورة تفوق قدرة المواطنين.

ويقول إن الارتفاع الكبير في أسعار المواشي يعود إلى انعدام التوريد وتراجع أعداد الثروة الحيوانية وارتفاع تكاليف التربية والأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، في ظل الأزمة المستمرة ونقص الوقود والمواد الأساسية.

ويشدد الثوابتة على أن استمرار هذا الواقع ينذر بمزيد من التدهور الإنساني، داعيًا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والجهات الراعية للاتفاقات إلى التدخل العاجل والضغط من أجل فتح المعابر بشكل كامل، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية والوقود والمواشي، بما يخفف من معاناة السكان ويمكنهم من العيش بكرامة

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة