في حادثة تكشف جوانب مروّعة من استغلال الظروف الإنسانية الصعبة في غزة، ممن قبل مؤسسات مشبوهة ربما تتبع الاحتلال الاسرائيلي ، وصلت مجموعة من 153 مواطنًا فلسطينيًا إلى جنوب أفريقيا، بعد أن تعرضوا لعملية تنظيم سفر غير قانونية من قبل جهة مشبوهة غير مسجلة.
الحدث أثار موجة من الاستهجان والتحقيقات الرسمية في جنوب أفريقيا بعد رفض حكومة جنوب افريقيا استقبالهم، وأعاد إلى الواجهة قضية تهجير واستغلال الغزيين في ظل الأزمات الإنسانية المتراكمة.
انطلقت الرحلة من قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم إلى مطار رامون الإسرائيلي، ثم إلى نيروبي في كينيا، قبل الوصول إلى جوهانسبورغ، الرحلة، التي رتبتها منظمة مشبوهة اسمها “المجد” (Al‑Majd)، استغلت الحاجة الإنسانية لدى السكان، مطالبة كل مسافر بمبالغ تتراوح بين 1,500 و5,000 دولار مقابل “تسهيل السفر”، دون أي ضمانات أو مسؤولية واضحة عن سلامتهم.
واجهة مشبوهة
ووبحسب المصادر مؤسسة المجد أوروبا (Al‑Majd Europe) تُعرّف نفسها على أنها منظمة إنسانية تأسست عام 2010 في ألمانيا، وتعمل على تقديم مساعدات عاجلة وإغاثة للمجتمعات المسلمة، خاصة في مناطق الصراع مثل غزة، ويزعم موقعها الإلكتروني أن لها مكتبًا في القدس.

أثير جدلاً واسعًا حولها بعد بدء تنظيم رحلات من غزة إلى جنوب أفريقيا، آخرها وصول حوالي 153 فلسطينيًا في نوفمبر 2025، حيث دفع المسافرون مبالغ مالية تتراوح بين 1,400 و2,000 دولار للشخص الواحد، في رحلة وصفت بالـ“غامضة”، إذ لم تتوفر تعليمات واضحة قبل السفر، وتركت بعض العائلات تواجه صعوبات كبيرة عند الوصول.
وقال عدد من الركاب، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، إنهم لم يعرفوا وجهة الرحلة إلا قبل ساعات من الإقلاع، وطُلب منهم أخذ حقائب صغيرة، وجوازات السفر، وبعض المال فقط، فيما تُركت العائلات تواجه التعقيدات الناتجة عن نقص الأوراق والتنسيق الرسمي.
عند وصولهم إلى مطار جوهانسبرغ، رفضت السلطات السماح لجميع الركاب بالنزول، بسبب عدم وجود ختم خروج من إسرائيل في جوازاتهم، بالإضافة إلى غياب عناوين إقامة واضحة أو تذاكر عودة. بقي بعض الركاب على متن الطائرة حوالي 12 ساعة قبل السماح لهم بالنزول، فيما غادر 23 شخصًا إلى وجهات أخرى، بينما مُنح 130 شخصًا تأشيرات دخول لمدة 90 يومًا من الحكومة الجنوب أفريقية.
وأكدت السفارة الفلسطينية في جنوب أفريقيا أنها تدخلت منذ اللحظة الأولى، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والمغتربين، لضمان سلامة المواطنين ومعالجة الوضع الإنساني، مشيدة بموقف الحكومة الجنوب أفريقية الداعم للشعب الفلسطيني.
نماذج للتهجير الناعم
من بين الحكايات الإنسانية التي رصدتها فرق التحقيق، عائلة مكوّنة من 6 أفراد، قالت إنهم دفعوا مبلغًا كبيرًا مقابل السفر، ولم يتلقوا أي تعليمات حول الإجراءات في نيروبي أو جوهانسبرغ، ما دفعهم للبقاء ساعات طويلة دون طعام أو ماء كافٍ على متن الطائرة.
حكايات أخرى تضمنت عائلات فصلت بين أفرادها، ونساء وأطفال تعرضوا للقلق النفسي الشديد بسبب عدم وضوح وجهة السفر، بينما استغلت الجهة المنظمة حاجتهم الملحة للهروب من ظروف الحصار والجوع.
فتح الرئيس الجنوب أفريقي، سيريل رامافوزا، تحقيقًا رسميًا لمعرفة الجهات المنظمة ومسار الرحلة، واصفًا الحادثة بأنها “غامضة”. السفارة الفلسطينية دعت المواطنين في غزة إلى توخي الحذر وعدم التعامل مع أي وسطاء أو جهات غير رسمية، مؤكدة على ضرورة التواصل المباشر معها أو مع المؤسسات الفلسطينية الرسمية لضمان السفر الآمن والقانوني.
وأفادت سلطات الهجرة الجنوب أفريقية بأن الركاب احتجزوا على متن الطائرة لأكثر من 12 ساعات بسبب عدم وجود ختم خروج في جوازات سفرهم، بالإضافة إلى غياب تذاكر عودة أو عناوين إقامة لبعضهم، حسبما صرح وزير الداخلية ليون شرايبر.
وأضاف شرايبر أن حاملي جوازات السفر الفلسطينية مؤهلون لدخول جنوب أفريقيا بدون تأشيرة لمدة 90 يوما، لكن "نقص الوثائق" أدى إلى الرفض الأولي.
وبعد تأكيد أن الركاب لا ينوون طلب اللجوء فورا، وتأمين إقامتهم، سمح لـ130 شخصا بالدخول، بينما غادر 23 آخرون إلى وجهات أخرى، وفقا لبيان صادر عن وزارة الداخلية الجنوب أفريقية.
وأكدت منظمة "هبة الواهبين" الخيرية أنها ستوفر السكن والرعاية الطبية للمجموعة، مشيرة إلى أن معظم الركاب عائلات تضم أطفالا، وأن 75 بالمئة منهم يعتزمون تقديم طلبات لجوء لاحقا، حسب تصريحات مؤسس المنظمة إمتياز سوليمان لقناة "إي إن سي إي
الحادثة ليست مجرد رحلة فاشلة فقط ، بل أنها تعكس أبعاد التهجير والاحتلال النفسي والاستغلال المالي الذي يتعرض له سكان غزة يوميًا.
في الوقت الذي يواجه فيه القطاع حصارًا خانقًا وقيودًا على الحركة، تظهر هذه الحادثة كأحد صور “التهجير الناعم”، حيث يُستغل المواطن الفلسطيني في أبسط حقوقه الإنسانية، بما فيها السفر والحرية الشخصية.
ويرى مراقبون أن استمرار مثل هذه الظواهر يعكس فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين الفلسطينيين من استغلال الجهات المشبوهة، ويطرح تساؤلات جدية حول آليات حماية المواطنين في الخارج، خاصة أولئك الذين يُجبرون على مغادرة غزة بطرق غير قانونية لتأمين مستقبلهم وحياتهم اليومية.
