وصف أستاذ القانون والعلوم السياسية أمجد شهاب إدارة مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان في سردا شمال رام الله بأنه جزء من بيع الأوهام، مؤكدًا أن عشر سنوات من الوعود لم تسفر عن أي إنجاز على الأرض.
وقال شهاب: "أن محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطنية وضع حجر الأساس وقيل إن المستشفى سيكون جاهزًا خلال 4 أعوام، لكن الذي جرى هو إصدار مرسوم جديد يغير مهام المستشفى.. كيف يعقل ذلك؟".
"المشروع الوهم"
وأضاف شهاب أن السلطة الفلسطينية جمعت أموالًا من الموظفين ورجال الأعمال والمتبرعين في جميع المحافظات، مؤكدًا أن مواطني الخليل وحدهم تبرعوا بأطنان من الحديد، وتساءل: "أين ذهبت هذه الأموال؟ عشر سنوات مرت دون أي إنجاز.. يجب فتح تحقيقات حول الفساد في هذا المشروع، لكنني لا أتوقع أن يحدث ذلك مع غياب المجلس التشريعي وانعدام استقلال القضاء في الضفة".
المشروع، الذي يقترب من إنهاء عامه العاشر، ما يزال مجرد أرض مهجورة في سردا، رغم وعود السلطة الفلسطينية المتكررة منذ وضع حجر الأساس صيف 2016 من قبل رئيس السلطة محمود عباس.
تغيرت إدارة المشروع من محمد اشتية إلى انتصار أبو عمارة، لكن النتيجة بقيت واحدة: صفر كبير على الأرض. وتحول المشروع منذ البداية إلى مادة للسخرية الشعبية، وأطلق عليه أسماء مثل "المشروع اللغز" و"المشروع الوهم"، ليصبح أبرز دليل على الفشل المتعمد في تنفيذه.
خلال هذه السنوات، استمر المرض في أخذ ضحاياه من الفلسطينيين، بينما استنزفت خزينة السلطة ملايين الشواكل باتجاه المستشفيات الإسرائيلية، دون أي أثر ملموس للمستشفى الذي كان من المفترض أن يوفر العلاج.
لا أحد يجيب
عضو مجلس الإدارة منيب المصري لم يخفِ حالة التخبط، قائلاً: "لا نعلم أين وصل المشروع. سألنا الحكومة… ولا أحد يجيب".
مع تراكم صمت السلطة، بات المشروع بالنسبة للكثيرين امتدادًا للملفات الغامضة التي لم تُكشف تفاصيلها، على غرار اغتيال الرئيس ياسر عرفات، الذي يزال معلقًا منذ 12 عامًا، قبل أن يُوضع حجر الأساس لمستشفى لم يُبَن حتى اليوم.
بدأت فكرة إنشاء مستشفى خالد الحسن للسرطان في فلسطين كرد فعل عاجل على حاجة آلاف المرضى إلى العلاج المحلي، بعدما كان التحويل للعلاج في الخارج الخيار الوحيد لعشرات المصابين سنويًا. في 2016 أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس المرسوم الرئاسي لإطلاق المشروع كمركز طبي غير ربحي، مصحوبًا بحملة واسعة لجمع التبرعات من موظفين، رجال أعمال، متبرعين من الداخل والخارج، وحتى المواطنين العاديين.
في السنوات الأولى، جرى إعداد المخططات الهندسية والتصاميم المعمارية بالتعاون مع مكاتب استشارية فلسطينية وأجنبية، ووُضع المخطط النهائي لمستشفى ضخم يستوعب مئات الأسرة. في 2018 بدأت أعمال الحفر التحضيرية للمشروع، كما بدأت السلطة تجهيز الكوادر الطبية عبر ابتعاث أطباء للتدريب في الخارج استعدادًا لتشغيل المستشفى.
قرض جديد
لكن التحولات القانونية والإدارية بدأت تعقّد المشروع. في 27 نوفمبر 2018 صدر مرسوم رئاسي يحول المشروع إلى “مؤسسة” غير ربحية، مع إمكانية إشراك القطاع الخاص وصندوق الاستثمار الفلسطيني، تلاه تشكيل مجلس إدارة جديد يضم مسؤولين حكوميين وشخصيات رسمية.
رغم هذه الخطوات، بدأ المشروع بالتراجع عن الطموح الأصلي، إذ تحول من مشفى وطني عام إلى مؤسسة تعتمد على الشراكة، مع ضبابية واضحة بشأن التمويل والالتزامات.
حتى 2022، أشارت وزارة الصحة إلى أن التبرعات المالية محفوظة في حساب خاص بمؤسسة خالد الحسن، لكن المشروع ظل مجمّدًا، مع تخفيض الطموحات إلى تنفيذ الأعمال “على مراحل”.
في 2025 جددت الحكومة جهودها لإحياء المشروع من خلال اتفاق مع بنك التنمية الإسلامي على قرض حسن بقيمة 26.6 مليون دولار لتمويل المرحلة الأولى من البناء، والتي تشمل أعمال الإنشاء والتشطيب، توفير المعدات، وتدريب الكوادر الطبية.
إلا أن حتى هذه الخطوات لم تترافق مع جداول زمنية دقيقة أو ضمانات لإنجاز المشروع، ليبقى مستشفى خالد الحسن بين “مشروع ورقي” و”أرض سردا المهجورة”، بينما المرضى يواصلون معاناتهم، وتحويلات الفلسطينيين للخارج تواصل استنزاف خزينة السلطة.
محاولات إعادة إحياء المشروع عبر القروض أو إعادة الهيكلة تبدو حتى الآن خطوات أولية فقط، مع استمرار الشكوك حول ما إذا كان المشروع فعليًا خطة وطنية حقيقية أم مجرد واجهة إعلامية يُعاد إطلاقها من حين لآخر.
بعد عشر سنوات من الوعود والخداع العلني، يبقى السؤال: هل كان هناك مشروع أصلاً، أم أنه مجرد مشهد رمزي يُختتم بمجرد تصوير حجر الأساس، ليصبح أحد أكثر الملفات سوادًا في تاريخ السلطة الفلسطينية.
