خاص - شهاب
حذّر الكاتب والمحلل السياسي اللبناني عماد خشمان من خطورة التصعيد الإسرائيلي المتسارع على الجبهة اللبنانية، معتبراً أن التحركات العسكرية الأخيرة قد تشير إلى محاولة "إسرائيلية" للبحث عن "نصر ميداني مفقود" عبر مغامرة برية محدودة في جنوب لبنان، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الجبهات.
وقال خشمان لوكالة (شهاب) إن المنطقة تعيش مرحلة شديدة التعقيد منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو ما حوّل الإقليم إلى شبكة جبهات مترابطة، مؤكداً أن لبنان بات جزءاً أساسياً من معادلة الردع المتبادل بالنار.
وأوضح أن التصعيد "الإسرائيلي" الأخير الذي طال مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لا يمكن فصله عن الضغوط الاستراتيجية التي تواجهها "تل أبيب" على أكثر من محور، خصوصاً على الجبهة اللبنانية التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها الأكثر حساسية وخطورة بالنسبة للمؤسسة العسكرية "الإسرائيلية".
وأشار خشمان إلى أن تكثيف عمليات الاغتيال "الإسرائيلية" واستهداف الأبنية السكنية في لبنان يحمل رسائل مزدوجة، أبرزها محاولة فرض معادلة ردع جديدة بعد فشل "إسرائيل" في وقف مسار تعافي قدرات المقاومة، إضافة إلى محاولة دفع المقاومة نحو رد واسع يبرر توسيع الحرب تحت عنوان “استعادة الأمن”.
لكن، بحسب الكاتب اللبناني، فإن انتقال المقاومة من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى تنفيذ ردود صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة ضد مواقع عسكرية وأمنية داخل "إسرائيل" أعاد تثبيت معادلة الردع بالنار، وأفشل محاولة "تل أبيب" الضغط على الجبهة اللبنانية سياسياً وعسكرياً دون مواجهة مباشرة.
ويرى خشمان أن المرحلة السابقة من المواجهة يمكن وصفها بإدارة الاشتباك تحت سقف ضبط النفس، حيث امتنعت المقاومة لفترة عن الرد المباشر على الخروقات والاغتيالات، لإتاحة المجال أمام التحركات السياسية والوساطات الدولية.
إلا أن سلسلة الاغتيالات الواسعة التي شهدها لبنان مؤخراً، وما رافقها من استهداف مبانٍ سكنية وسقوط شهداء، شكلت نقطة تحول دفعت المقاومة إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى الردع الفعلي عبر إطلاق صليات صاروخية وطائرات مسيّرة باتجاه مواقع داخل العمق "الإسرائيلي"، في رسالة مفادها أن قواعد الاشتباك لا يمكن أن تُدار من طرف واحد.
وفي ما يتعلق بإعلان "إسرائيل" بدء عملية برية باتجاه القرى الحدودية، يطرح خشمان عدة تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه الخطوة، متسائلاً ما إذا كانت تهدف إلى احتلال شريط حدودي عازل، أم تنفيذ عمليات محدودة ثم الانسحاب، أم محاولة استدراج المقاومة إلى مواجهة واسعة.
وأكد أن التجارب العسكرية السابقة أثبتت أن القتال البري في جنوب لبنان ليس مهمة سهلة، نظراً لطبيعة المنطقة الجغرافية والتحصينات الدفاعية والخبرة القتالية التي راكمتها المقاومة، ما يجعل أي توغل بري مكلفاً من حيث الخسائر البشرية والوقت.
ويرجح الكاتب أن العملية قد تكون محاولة لاختبار حدود الردع أكثر من كونها حرب احتلال شاملة.
ثلاثة أهداف محتملة
ويشير خشمان إلى أن التحرك الإسرائيلي قد يندرج ضمن ثلاثة أهداف رئيسية: الأول يتمثل في محاولة صناعة صورة انتصار ميداني، من خلال رفع العلم "الإسرائيلي" فوق قرية حدودية لتسويق إنجاز معنوي أمام الرأي العام داخل إسرائيل.
أما الهدف الثاني فيتعلق بمحاولة فرض منطقة عازلة بالنار شمال الخط الأزرق وإعادة صياغة ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني.
في حين يتمثل الهدف الثالث في اختبار الموقف السياسي اللبناني، خصوصاً في ظل ما يتردد عن تباينات داخل السلطة اللبنانية، وهو ما قد يعتبره الاحتلال فرصة لتوسيع الضغط العسكري. بحسب خشمان.
وتطرق خشمان إلى مسألة انسحاب بعض وحدات الجيش اللبناني من مواقع أمامية، معتبراً أن هذه الخطوة قد تكون إعادة تموضع تكتيكية لتجنب الخسائر أو لمنع انزلاق الدولة اللبنانية إلى حرب مفتوحة في ظل ضغوط دولية.
إلا أنه حذر في الوقت نفسه من أن أي فراغ أمني خلال لحظة التصعيد قد يمنح "إسرائيل" فرصة لترويج رواية “غياب الدولة” في الجنوب، وهو ما قد يُستخدم لتبرير فرض ترتيبات أمنية جديدة بالقوة.
ويؤكد الكاتب اللبناني أن توسيع نطاق القصف الإسرائيلي ليشمل عشرات القرى الجنوبية والعودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية يعكس محاولة للبحث عن صورة انتصار بعد الإخفاق في تحقيق حسم ميداني واضح في المواجهات السابقة.
لكنه شدد على أن أي تقدم بري محدود في القرى الحدودية لن يشكل حسمًا استراتيجياً، لأن البيئة القتالية في الجنوب قادرة على تحويل أي توغل إلى حرب استنزاف طويلة، خصوصاً إذا استمرت الصواريخ والطائرات المسيّرة في ضرب العمق "الإسرائيلي".
ويرى خشمان أن الهدف الحقيقي قد يكون تحسين شروط التفاوض غير المباشر أو فرض وقائع ميدانية قبل أي مسار سياسي محتمل في لبنان أو في إطار التوتر الإقليمي الأوسع المرتبط بإيران.
السيناريوهات المحتملة
ويطرح الكاتب ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار المواجهة: الأول هو سيناريو الاحتواء المتبادل، حيث يتقدم الجيش "الإسرائيلي" لمسافة محدودة داخل القرى الحدودية ثم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار عبر وساطات دولية مع تثبيت قواعد اشتباك جديدة.
أما السيناريو الثاني فهو الاستنزاف المفتوح، في حال قررت المقاومة تحويل التوغل الإسرائيلي إلى معركة طويلة تستنزف القوات المتقدمة بشرياً وعسكرياً. بينما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأخطر، في انفجار إقليمي أوسع إذا توسعت المواجهة أو تم استهداف منشآت استراتيجية أو قيادات كبيرة، ما قد يؤدي إلى حرب متعددة الجبهات في المنطقة. وفق خشمان.
ويعتقد خشمان أن المواجهة الحالية ليست مجرد صراع جغرافي إنما هي صراع إرادات في مشهد إقليمي شديد التعقيد، حيث تسعى "إسرائيل" إلى استعادة صورة الردع وتحسين موقعها التفاوضي، بينما تحاول المقاومة تثبيت معادلة مفادها أن أي عدوان لن يمر دون ثمن.
وأضاف أن حسابات الميدان في جنوب لبنان غالباً ما تختلف عن حسابات السياسة والإعلام، متسائلاً ما إذا كان الداخل الإسرائيلي" قادراً على تحمل كلفة مغامرة برية قد تتحول إلى مأزق استراتيجي طويل، أم أن ما تبحث عنه "تل أبيب" هو مجرد “صورة نصر” عابرة في منطقة تشتعل بالصراعات.
