تقرير "كيس طحين واحد".. مأساة عائلة أفقدها الجوع الأب والابن في ذات المكان برفح

أم محمد

تقرير - شهاب

لم يكن محمد الطفل ذو الـ13 عاما، يبحث عن شيء أكثر من كيس طحين يخفف جوع أسرته النازحة، لكن تلك المحاولة البسيطة لإنقاذ عائلته انتهت بمشهد مأساوي ما زال يلاحق شقيقته الصغيرة أسيل حتى اليوم.

تروي أم محمد الأحداث التي وقعت عندما كانت عائلتها لا تزال في رفح، إذ أن قوات الاحتلال اقتحمت فجأة المنطقة الغربية من المدينة، وبدأت بإطلاق النار بكثافة على النازحين، ما أجبر العائلة على الفرار من خيمتهم وترك كل ما فيها من طعام ومتاع.

ولجأت الأسرة آنذاك إلى مواصي خانيونس بحثا عن الأمان، لكن النزوح لم ينهِ معاناتهم، إذ أصيب رب الأسرة خلال الأحداث وبقي فترة يتلقى العلاج في المستشفى، تاركا خلفه زوجته وأطفاله بلا مصدر رزق أو طعام.

ومع اشتداد الجوع داخل الخيمة، قرر محمد، الابن البكر، أن يخاطر بحياته ويعود إلى خيمة العائلة القديمة غرب رفح ليجلب كيس الطحين وبعض المعلبات، رافقته شقيقته الصغيرة أسيل في الطريق، لكن محمد حاول إقناعها بالعودة خوفًا عليها من خطورة المكان، ثم قبّل جبينها وطلب منها المغادرة، واعدا بإكمال المهمة وحده، غير أنها رفضت تركه.

وعند اقترابهما من خيمة العائلة، سقط صاروخ أطلقته طائرة استطلاع قرب مجموعة من الشبان، قبل أن تبدأ دبابة بإطلاق النار بكثافة في المكان، أصيب حينها محمد وأسيل وأربعة شبان آخرين، وتحول المشهد أمام عيني الطفلة إلى لحظات من الرعب؛ فقد شاهدت أشلاء الشبان تتناثر وجثمان شقيقها ممزقًا، فيما لم تستطع فعل شيء لإنقاذه.

ورغم إصابتها، تمكنت أسيل من الهرب عندما رأت الدبابة تتقدم نحوها، فاختبأت خلف جدار منهار، وشاهدت الدبابة تسحق الجثامين وتدوس طرف شقيقها، بعدها سارت أكثر من كيلومترين وهي تنزف حتى وصلت إلى أقرب نقطة إسعاف، حيث أبلغت المسعفين بما حدث، ليُنقل محمد إلى المستشفى بعد ارتقائه.

مكثت أسيل فترة طويلة تتلقى العلاج، وما تزال حتى اليوم تعاني صدمة نفسية شديدة من هول ما رأته في ذلك اليوم، بعد أن فقدت شقيقها الذي حاول فقط إحضار الطعام لعائلته.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد تعافي والدها وخروجه من المستشفى، كانت المجاعة قد اشتدت في أنحاء القطاع، ما دفعه إلى اتخاذ القرار نفسه الذي اتخذه ابنه من قبل: العودة إلى خيمة العائلة في رفح لجلب كيس طحين.

حمل الأب الكيس بالفعل وسار به مسافة طويلة، لكنه لم يصل إلى أسرته؛ فقد استهدفته طائرة استطلاع في المكان ذاته الذي استُهدف فيه ابنه، وبسبب خطورة المنطقة، لم يتمكن أحد من انتشاله، فبقي مصابا هناك لشهرين كاملين قبل أن يفارق الحياة ويتحلل جثمانه في المكان.

وبعد مرور شهرين، تمكنت طواقم الإسعاف أخيرا من نقل جثمانه إلى المستشفى، حيث شُيّع ودُفن في القبر نفسه الذي يرقد فيه ابنه محمد؛ ليرتقي الأب والابن للسبب نفسه "محاولة إحضار كيس طحين لإطعام أسرتهما".

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة