خاص – شهاب
يتكرر سؤال مهم في ظل التصعيد المتزايد في منطقة الخليج، لماذا تركز إيران على استهداف الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين؟ الإجابة لا ترتبط بقاعدة بحرية تقليدية أو بعدد من السفن الحربية فحسب، إنما بمنظومة قيادة وتحكم تمثل أحد أهم ركائز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتشكل محورًا أساسيًا لإدارة العمليات العسكرية والأمن البحري في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
الأسطول الأمريكي الخامس، الذي يتخذ من البحرين مقرًا لقيادته منذ إعادة تفعيله عام 1995، يُعد القيادة البحرية المسؤولة عن إدارة العمليات الأمريكية في الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي، وفق بيانات البحرية الأمريكية، ويغطي نطاق عمله مساحة بحرية واسعة تُقدَّر بنحو 6.5 مليون كيلومتر مربع، وهي مساحة تضم أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وعلى رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس.
هذه الممرات لا تمثل مجرد خطوط ملاحية، هي تشكل شرايين رئيسية للتجارة والطاقة العالمية، حيث يمر عبرها جزء كبير من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية. لذلك، فإن وجود الأسطول الأمريكي الخامس في هذه المنطقة يمنح الولايات المتحدة قدرة كبيرة على مراقبة حركة الملاحة البحرية وضمان استمرار تدفق الطاقة، وهو ما يجعل هذه القوة البحرية عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الإقليمي.
وبحسب تقارير القيادة المركزية الأمريكية، يتولى الأسطول الخامس مهام متعددة تشمل تأمين الممرات البحرية وإدارة الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة ومراقبة التحركات العسكرية، إضافة إلى تنسيق العمليات البحرية المشتركة مع عدد من الدول الحليفة، كما يعمل ضمنه آلاف العسكريين، ويضم أكثر من ثلاثين قطعة بحرية بين مدمرات وغواصات وسفن دعم، إلى جانب مجموعات قتالية لحاملات الطائرات عند نشرها في المنطقة، إضافة إلى منظومات رادارية واستخباراتية متقدمة.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه القدرات تجعل من الأسطول الخامس مركز قيادة وتحكم متقدمًا يدير جزءًا كبيرًا من النشاط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، يقول الخبير العسكري في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى مايكل نايتس إن الأسطول الخامس يمثل "العصب البحري للولايات المتحدة في الخليج، وأي تهديد مباشر له يمكن أن يؤثر على قدرة واشنطن في إدارة العمليات العسكرية وتأمين خطوط الملاحة الحيوية في المنطقة".
من زاوية أخرى
— احمد خاقان 4 (@ahmdkhaqan181) February 28, 2026
لحظة قصف مقر قيادة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين pic.twitter.com/72AiZRcYoQ
ويضيف نايتس أن أهمية هذا الأسطول لا تكمن فقط في عدد السفن أو القوات المنتشرة فيه، إنما في كونه مركزًا لقيادة العمليات البحرية والاستخباراتية، ما يجعله عنصرًا محوريًا في منظومة الردع الأمريكية في الخليج.
ومن هذا المنطلق، تنظر طهران إلى الأسطول الخامس باعتباره أحد أبرز عناصر التفوق العسكري الأمريكي في المنطقة، فاستهدافه أو التأثير على بنيته العملياتية قد يؤدي إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة الأمريكية في الخليج، ويحد من قدرة القوات الأمريكية على التحرك السريع في حال حدوث تصعيد عسكري واسع.
كما أن الموقع الجغرافي للأسطول في البحرين يجعله قريبًا من السواحل الإيرانية، ما يضعه ضمن نطاق الحسابات العسكرية المباشرة في أي سيناريو تصعيد محتمل.
ويرى محللون أن أي اضطراب كبير في قدرات هذا الأسطول قد ينعكس فورًا على أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك النفط العالمي يوميًا وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ولا يقتصر تأثير الأسطول الأمريكي الخامس على الجانب العسكري فحسب، إنما يمتد أيضًا إلى الأبعاد السياسية والدبلوماسية، حيث يمثل وجوده ضمانة أمنية لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج وأداة ردع في مواجهة التهديدات الإقليمية.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن تركيز إيران على الأسطول الأمريكي الخامس لا يتعلق بمجرد استهداف قاعدة عسكرية، إنما يرتبط بمحاولة التأثير على مركز قيادة يمثل ركيزة النفوذ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ولذلك يبقى هذا الأسطول أحد أهم عناصر التوازن العسكري في الخليج، وأي تغير جوهري في وضعه قد يحمل تداعيات واسعة على الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.
