تقرير /شهاب
ينهض أهل غزة وسط الضجيج والركام للبحث عن لقمة عيش ومكان آمن للحركة والتعايش، اعتادوا على التعامل مع المتطلبات والمخاطر اليومية وكأنها جزء من حياتهم، يمضون بين الحارات المدمرة والأسواق شبه الخاوية، يتبادلون التحيات بأمل خافت خوفًا من أي اضطراب جديد.
ويحاولون الحفاظ على بقايا حياة طبيعية رغم كل القيود والضغوط، يعيشون حالة من التعايش الاضطراري مع كارثة غير مستقرة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحياتية والسلوكية، فالتكيف ليس خيارهم بل استجابة "المضطرين" لمنع تفاقم المعاناة.
أمرًا يثير المخاوف
يقول الشاب جواد حزالله (33 عامًا)، الذي يقيم في خيمة أقيمت على أرضٍ خالية بجوار ركام منزله، إن حياته منذ أشهر تسير بلا ملامح واضحة، مضيفًا: "لم أعد أفرّق بين يوم وآخر، نستيقظ على ضجيج الشارع وعَلى قلقٍ دائم من أن ينهار كل شيء فوق رؤوسنا إذا اشتدت الظروف سوءً. منوهاً في البداية كان الشعور مؤلمًا وصادمًا، أما الآن فأخشى أنني بدأت أعتبره أمرًا طبيعيًا".
يوضح جواد أن أصعب ما يعيشه ليس فقط ضيق المكان أو قلة الإمكانات، بل الإحساس المستمر بعدم الاستقرار. ويقول: "الخيمة لا تحمينا من البرد ولا من الحر، والمياه تصلنا بصعوبة، نقف في طوابير طويلة من أجل جالون ماء أو ربطة خبز، ثم نعود لنقسمها بحساب دقيق حتى تكفينا ليوم آخر".
ويتحدث عن شعور داخلي يرافقه كل ليلة، قائلاً: "أفكر كثيرًا في حياتي قبل الحرب، في عملي الذي فقدته، في أحلام بسيطة كنت أؤجلها معتقدًا أن الوقت أمامي طويل، اليوم صار أقصى طموحي أن أؤمّن احتياجات يوم واحد بلا قلق".
ويضيف أن العمل شبه معدوم، وما يتوفر منه مرتبط بظروف الحرب، أحيانًا أعمل لساعات طويلة مقابل أجر بسيط، وأقنع نفسي بأن هذا أفضل من لا شيء، لكن الحقيقة أن ما نعيشه ليس حياة مستقرة، بل محاولة مستمرة للبقاء".
ويشير جواد إلى أن التعايش مع هذا الواقع القاسي بات أمرًا يثير مخاوفه أكثر من المعاناة نفسها: "أخشى أن نعتاد الخيمة كما اعتدنا أصوات القصف، وأن يصبح الحد الأدنى من الحياة هو سقف طموحاتنا. الإنسان حين يضطر للتكيف مع كل هذا الخراب، يفقد شيئًا من روحه من دون أن يشعر".
تقول شيماء مسعود (37 عامًا)، التي تقيم في خيمة منصوبة على أرضٍ رملية في أحد مراكز الإيواء غرب غزة، إن أصعب ما تغيّر في حياتها ليس الفقر ولا ضيق المكان، بل "قدرتنا الغريبة على التعود".
تضيف بصوت هادئ: "في الأيام الأولى كنت أبكي كلما اضطررت لإشعال النار في علبة صفيح لأطبخ، كنت أشعر أن الدخان يخنقني وأن الرمل يفسد كل شيء. اليوم صرت أبحث تلقائيًا عن قطع كرتون جافة لأُبقي النار مشتعلة، وأحرك القدر بيدي كأنني أفعل ذلك منذ سنوات".
تجلس شيماء على بساط رقيق فوق الرمال، وتقول: "الرمل يدخل في الطعام، في الفراش، في الملابس، في شعر البنات. كنا ننفضه في البداية بانزعاج، أما الآن فنكتفي بأن نقول: لا بأس، هذا نصيبنا من الأرض".
توضح أن حياتها تقلّصت إلى أبسط التفاصيل: "لم أعد أفتح خزانة لأختار ماذا أرتدي. أرتدي ثوب الصلاة معظم الوقت، لأنه مريح وعملي، ولأنني أحتاج أن أكون مستعدة لأي طارئ. حتى ملابسنا أصبحت قليلة جدًا، قطعة أو اثنتان لكل فرد، نغسلها وننتظر أن تجف تحت الشمس، ثم نعيد ارتداءها".
وتشير إلى أن أدوات المطبخ اختزلت إلى الحد الأدنى: "قدر واحد، مقلاة صغيرة، سكين، وبعض الصحون البلاستيكية. لم نعد نفكر في تنوع الطعام، بل في كفايته. الأرز إن توفر نعتبره نعمة، والخبز إن وصلنا نقسمه بحساب. لم أعد أعدّ أطباقًا، بل أعدّ وجبات للبقاء".
وتتوقف قليلًا قبل أن تضيف: "المرآة؟ أنظر فيها مرة كل أسبوع، ربما أقل. ليس لأنني لا أريد، بل لأنني لا أجد وقتًا أو سببًا. حين أنظر أرى وجهاً متعبًا، فأكتفي بإصلاح حجابي وأعود لما يجب فعله. كأن ملامحي نفسها أصبحت جزءًا من هذا الواقع المؤقت الذي طال أكثر مما ينبغي".
جزءًا من المشهد
تقول شيماء إن أكثر ما يؤلمها هو هذا الإحساس بالاعتياد: "صرنا نتعايش مع العيش فوق الرمال، مع الطبخ على النار، مع غياب الخصوصية، مع ضيق المكان. أخاف أن يصبح هذا طبيعيًا في عيون أطفالنا، أن يكبروا وهم يعتقدون أن الحياة خيمة وموقد نار وطابور ماء".
وتختم حديثها بنبرة تجمع بين التعب والإصرار: "نحن لا نطلب الكثير. نريد فقط بيتًا يغلق بابه، مطبخًا لا تمتلئ أرضه بالرمل، خزانة فيها أكثر من ثوب، ومرآة أنظر فيها كل صباح دون أن أشعر أنني غريبة عن نفسي".
يقول رمزي الدحدوح (19 عامًا)، الذي يعيش مع أسرته في حي تلّ الهوى غرب مدينة غزة، إن أصعب ما يمرّ به ليس المشهد القاسي نفسه، بل قدرته اليومية على التأقلم معه.
يوضح: "حين امتلأت الشوارع بحفر الصرف الصحي وأكوام القمامة، كنا نسير بحذر وكأننا غرباء في حينا. اليوم أحفظ أماكن الحفر كما أحفظ أسماء أصدقائي، أعرف أي زاوية يجب أن أتفاداها، وأي طريق أقل امتلاءً بالمياه العادمة. هذا التعود هو الشيء الذي يخيفني".
يشير رمزي إلى أن الرائحة الثقيلة لم تعد تدفعه لإغلاق أنفه كما في السابق: "في البداية كنت أشعر بالغثيان، أما الآن أمشي كأن الأمر عادي. أكوام القمامة صارت جزءًا من المشهد، والسيارات تمر بجانبها بلا اكتراث، وكأن الحي كله تعلّم أن يتنفس وسط هذا الهواء".
يتحدث عن البحر والكورنيش بنبرة يختلط فيها الحنين بالمرارة: "كنا نأتي إلى البحر لنشعر ببعض الحرية، لنضحك، لنلتقط صورًا، لنحلم. اليوم أنظر إلى الكورنيش فأراه ممتدًا بالخيام، بوجوه متعبة، بأطفال يبحثون عن مساحة للعب بين المخيمات. البحر ما زال هناك، لكنه لم يعد يمنح الإحساس نفسه. صار خلفية لكارثة النزوح، لا متنفسًا للشباب".
ويضيف: "قبل سنوات قليلة كنت أفكر في الجامعة، في التخصص الذي سأدرسه، في أصدقاء جدد وحياة طلابية مليئة بالحركة. كنت أريد أن أعيش عمري كما ينبغي لشاب في التاسعة عشرة. اليوم التعليم متوقف، والجامعات بعيدة كأنها حلم قديم. حياتي اختُزلت في البحث عن احتياجات يومية، وفي التفكير بكيفية مساعدة أسرتي بأي عمل متاح".
يصف رمزي تجربته مع التكيف بأنها "بائسة لكنها مفروضة": "لسنا أبطالاً نتأقلم لأننا نريد، بل لأننا مجبرون. لا توجد خيارات كثيرة أمامي. لا أستطيع تغيير المكان، ولا الظروف، ولا شكل الحي الذي يتآكل كل يوم. كل ما أستطيع فعله هو أن أستيقظ صباحًا وأقرر أن أستمر".
ويتابع: "أحيانًا أجلس مع أصدقائي القلائل الذين بقوا، نتحدث عن أيام المدرسة، عن مباريات كرة القدم، عن خططنا للسفر أو العمل. نضحك قليلًا، ثم نصمت لأن الواقع أقوى من الكلام. نحاول أن نقنع أنفسنا بأن هذه المرحلة ستمر، لكننا لا نعرف متى".
ويختم حديثه قائلاً: "التأقلم ليس راحة، بل نوع من الدفاع عن النفس. أعيش في هذا القالب لأنني مضطر، لا لأنني اخترته. أتعلم كيف أتنقل بين الحفر، كيف أتجاهل الروائح، كيف أرى البحر دون أن أتذكر ما فقدناه. لا أملك سوى الاستمرار، على أمل أن أستعيد يومًا ما الحياة التي كنت أظن أنها في انتظاري".
"تعايشًا اضطراريًا"
من جانبها تقول دكتورة علم النفس رائدة عوض الله إن الحالة النفسية لسكان غزة ما تزال مثقلة بتداعيات الحرب، رغم توقف العمليات العسكرية، موضحة أن ما يبدو من هدوء نسبي لا يعكس تعافيًا نفسيًا حقيقيًا بقدر ما يمثل "تعايشًا اضطراريًا" مع واقع مفروض.
وتؤكد أن كثيرًا من الأسر تعيش حالة من الجمود الانفعالي، حيث يواصل الأفراد حياتهم اليومية تحت ضغط مستمر، دون أن تتاح لهم فرصة حقيقية لمعالجة ما مرّوا به من صدمات.
وتوضح عوض الله لـ"شهاب"، أن الإنسان يطور آلية دفاعية مؤقتة لتقليل الإحساس بالألم، بينما يتطلب التكيف الحقيقي توفر شعور بالأمان والاستقرار وإمكانية التخطيط للمستقبل.
وتضيف أن الاعتياد قد يخفي هشاشة داخلية، إذ يبدو الشخص متماسكًا ظاهريًا، لكنه يظل مثقلاً بصراعات نفسية غير معالجة.
وتتابع أن الإقامة الطويلة في الخيام وغياب الخصوصية أفرزا جملة من الأعراض النفسية، أبرزها اضطرابات النوم، القلق الدائم، سرعة الانفعال، تراجع القدرة على التركيز، والشعور بفقدان السيطرة على الحياة.
وتبيّن عوض الله أن غياب فرص العمل وتدهور الأوضاع المعيشية يؤثران بشكل مباشر على الشعور بالقيمة الذاتية، خصوصًا لدى من كانوا يعيلون أسرهم قبل الحرب.
وتضيف أن فقدان الدور الإنتاجي يولّد إحساسًا بالعجز وفقدان المعنى، ما ينعكس سلبًا على الثقة بالنفس والعلاقات داخل الأسرة.
وتحذر عوض الله من أن استمرار هذا النمط من الحياة دون تدخل مهني منظم قد يقود إلى اضطرابات نفسية مزمنة، مثل الاكتئاب الحاد واضطراب ما بعد الصدمة والقلق المزمن.
وتؤكد أن غياب برامج دعم نفسي مجتمعي شاملة قد يفاقم الأثر طويل الأمد على الأفراد، ويجعل من "التعايش الاضطراري" حالة دائمة بدل أن يكون مرحلة عابرة في طريق التعافي الحقيقي.
في حين يقول الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور إن التكيف الاجتماعي لدى الأفراد في غزة ينبع أساسًا من الضرورة والإجبار، موضحًا أن الناس يلجأون إلى تقبل الواقع الصعب ليس لأنهم يريدون ذلك، بل لأن البيئة المحيطة تفرض عليهم ذلك، فهم مجبرون على إيجاد طرق للبقاء والاستمرار وسط ضغوط الحياة اليومية.
ويضيف منصور أن الدوافع الاجتماعية للتكيف تتعلق بالحفاظ على الروابط الأسرية والمجتمعية، إذ يسعى الفرد لتجنب الصدامات والصراعات التي قد تفاقم الوضع القاسي، ولضمان استمرار الدعم المتبادل بين أفراد الأسرة والجيران. ويشير إلى أن القبول الجزئي بالواقع يتيح للناس التخفيف من الشعور بالعجز وفقدان السيطرة، ويصبح بمثابة آلية اجتماعية لتجاوز الضغوط اليومية.
التكيف الإجباري
ويتابع منصور أن التكيف الاجتماعي يظهر في سلوكيات واضحة، مثل تقاسم الموارد المحدودة، التسامح مع الفوضى والخدمات الناقصة، وتعديل توقعات الحياة اليومية لتتناسب مع الظروف المحيطة. ويضيف أن هذا التكيف لا يعني بالضرورة تماسكًا صحيًا دائمًا، بل هو غالبًا محاولة لتخفيف الصدمة والضغط النفسي على الأسرة والمجتمع.
ويشير منصور إلى الفرق بين التكيف الإجباري والتكيف الصحي، مؤكدًا أن التكيف الإجباري يتيح البقاء لكنه قد يخفي صراعات داخلية وضغوطًا اجتماعية تراكمية، بينما التكيف الصحي يعتمد على وجود شبكة دعم، إمكانية المشاركة المجتمعية، وبيئة مستقرة نسبيًا تسمح للإنسان بالتخطيط للمستقبل.
ويختم منصور بالقول إن العوامل التي تساعد المجتمع على التكيف دون تفكك أو فقدان للقيم تشمل الاعتماد المتبادل بين الأسر، التفاعل الاجتماعي المستمر، المبادرات المجتمعية لدعم بعضهم البعض، وإيجاد مساحات للطمأنينة والخصوصية قدر الإمكان، مشيرًا إلى أن هذه الآليات تساعد على الحفاظ على النسيج الاجتماعي حتى في أصعب الظروف.
