ترجمة خاصة _ شهاب
لم يتوقف السياسيون في "إسرائيل" والمقرّبون منهم عن وصف "إسرائيل" بأنها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، باعتبار هذا الوصف وسيلة لدغدغة المشاعر، وكسب التعاطف الدولي، وامتصاص غضب الشارع الأوروبي، ومحاولة لتقليص الانتقادات الموجّهة لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
إلا أن هذا المصطلح بات يفقد أهميته وفعاليته في ظل محاولات حكومة بنيامين نتنياهو فرض سيطرتها على السلطة القضائية وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع مصالحها الشخصية واعتباراتها السياسية، أو على الأقل تطويعها للتغطية على ظاهرة الفساد المنتشرة في أوساط السياسيين وأصحاب النفوذ.
أدلة على التغيير.. تصريح مندلبليت
ويُعدّ أحد أبرز الأدلة على تغيّر نظام الحكم في "إسرائيل" التصريح المثير الذي أدلى به المستشار القانوني السابق للحكومة، "أفيحاي مندلبليت"، والذي اتهم فيه حكومة نتنياهو بمحاولة فرض سيطرتها على السلطة القضائية، بعد أن تمكّنت من إحكام سيطرتها الكاملة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما يدل على أن "إسرائيل" تمرّ بمرحلة صعبة وبائسة، تتمثل في تحوّل نظام الحكم من ديمقراطي إلى نظام ديكتاتوري على حد وصفه.
وعبّر "مندلبليت" عن قلقه من حالة التدهور التي تعيشها "إسرائيل" في ظل الخطوات التي تتخذها حكومة نتنياهو لتفكيك مكانة السلطة القضائية، وتوزيع صلاحيات المستشارة القانونية والعمل على إقالتها، بالتزامن مع شنّ انتقادات حادة على ما يُعرف بـ"حرّاس العتبة"، وعلى رأسهم رئيس المحكمة العليا "يتسحاق عميت"، وهو ما يدل على أن "إسرائيل" تسير في طريقها نحو نظام ديكتاتوري بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وتابع قائلاً: يجب أن نتذكر ما حدث قبل أكثر من عامين، وتحديدًا في السابع من أكتوبر، حينما تعرّضت "إسرائيل" لأكبر كارثة في تاريخها، نتيجة الخطوات التي اتخذتها الحكومة وسعيها الدؤوب للسيطرة على السلطة القضائية تحت شعار التعديلات القانونية.
تأكيد الحقائق من خلال براك
إن تحذيرات "مندلبليت" وما كشفت عنه من حقائق لم تأتِ من فراغ، بل جاءت تجسيدًا وتأكيدًا لما سبق أن قاله رئيس المحكمة العليا الأسبق، القاضي المتقاعد "أهارون براك"، الذي اعترف بأن "إسرائيل" لم تعد دولة ديمقراطية، بل دولة يتحكم بمصيرها وحاضرها ومستقبلها شخص واحد، هو رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وهو ما يعني الانتقال من مفهوم الدولة العميقة إلى مفهوم الشخصية العميقة.
"براك" يعترف بوضوح بأن نتنياهو تمكّن من فرض سيطرته على الحلبة السياسية والحكومة، بما يعني السيطرة على السلطة التنفيذية، كما نجح في فرض سيطرته على السلطة التشريعية من خلال امتلاكه الأغلبية في الكنيست، وها هو اليوم يبذل قصارى جهده لفرض سيطرته على السلطة القضائية.
نجاح نتنياهو يكشف عن ضعف وتفكك أحزاب المعارضة وعدم قدرتها على الوقوف أمامه لمنعه من تحقيق هدف وتمرير قوانين الانقلاب القانوني كما يكشف عن تفكك المجتمع "الإسرائيلي" وعمق الانقسام داخله وما يترتب عليه من صعوبة في تشكيل جبهة واحدة لحماية النظام الديمقراطي في "إسرائيل" لا سيما وأنه يمثل ركيزة أساسية للمشروع الصهيوني باعتبار "إسرائيل" دولة تنتمي للعالم الغربي.
الأخطر من ذلك أن ما يقوم به نتنياهو يدل على أن حالة العقم السياسي التي تعيشها "إسرائيل" وعدم قدرة النظام السياسي على تخريج قادة جدد، وتنسجم هذه الحقيقة أيضًا مع استطلاعات الرأي التي أظهرت أن 58% من الجمهور "الإسرائيلي" باتوا يشعرون بأن الديمقراطية في "إسرائيل" تواجه خطرًا متزايدًا.
