كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، عن واحدة من أخطر حوادث اختراق أمن المعلومات في الكيان الإسرائيلي، بعد تسريب آلاف جهات الاتصال الشخصية العائدة لكبار المسؤولين السياسيين والأمنيين، في واقعة وصفتها الصحيفة بأنها ترقى إلى تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي.
وبحسب التحقيق، شمل التسريب جهات اتصال تعود لرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، ورئيس ديوان رئاسة الحكومة تساحي برافيرمان، ووزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد، إضافة إلى عشرات الشخصيات التي تشغل أو شغلت مناصب حساسة في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.
وأكدت الصحيفة أن حجم البيانات المسربة وطبيعتها يجعلان عشرات المسؤولين عرضة لخطر التجسس من قبل أجهزة استخبارات أجنبية، حيث وصف مسؤولون سابقون مكلفون بمتابعة هذه التهديدات الحادثة بأنها "فشل جسيم" في حماية المعلومات الحساسة.
وأفادت “هآرتس” بأن مجموعة القرصنة التي تقف خلف التسريب شرعت في مطابقة وإثراء البيانات المكشوفة عبر ربطها بقواعد بيانات إسرائيلية كبرى جرى الاستيلاء عليها في عمليات اختراق سابقة، ما يحوّل قوائم الاتصال إلى مورد استخباري عالي القيمة.
وضمت القوائم المسربة أسماء شخصيات دولية بارزة، من بينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وحاكم دولة الإمارات محمد بن زايد، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، إلى جانب المدير التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" سام ألتمان، والمستثمر الأمريكي شون ماغواير، فضلاً عن شخصيات سياسية وأمنية واقتصادية أخرى.
وأشارت الصحيفة إلى أن خطورة التسريب لا تقتصر على حجم البيانات، بل تكمن في الوصول إلى أرقام الهواتف الشخصية لمسؤولين حساسين، ما يتيح تتبع تحركاتهم داخل إسرائيل وخارجها، وربط أرقامهم بحساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وتعقبهم باستخدام أدوات وتقنيات متقدمة.
وبيّنت أن قدرات من هذا النوع كانت سابقاً حكراً على أجهزة استخبارات الدول، غير أن تقارير حديثة أظهرت انتقال بعضها إلى جهات خاصة، من خلال ما يعرف بـ**"الاستخبارات الإعلانية"** وتقنيات التتبع الجغرافي المعتمدة على أنظمة إعلانية مفتوحة ومغلقة.
وقبل ثلاثة أسابيع، أعلنت مجموعة القرصنة المدعومة من إيران، المعروفة باسم "هاندالا"، اختراق جهاز نفتالي بينيت وتسريب نحو 4500 جهة اتصال إلى جانب آلاف المحادثات، يعود بعضها إلى العام الماضي. وبينما نفى بينيت في البداية صحة الادعاءات، أقر لاحقاً بأن فحصاً أظهر الوصول إلى حسابه على "تيليغرام" عبر وسائل متعددة.
وبعد تسعة أيام فقط، نشرت المجموعة قائمة جهات الاتصال الخاصة برئيس ديوان رئاسة الحكومة تساحي برافيرمان، والتي ضمت نحو 2400 اسم، إلى جانب صور ومقاطع فيديو ومحادثات شخصية حديثة.
وأوضح مكتب رئيس الحكومة أن ما جرى "لا يبدو اختراقاً مباشراً للهاتف، بل تسريباً للبيانات".
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، كشفت المجموعة عن تسريب جديد شمل نحو 4600 جهة اتصال تعود لوزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد، إضافة إلى مئات المحادثات المنسوبة إلى حسابها على "واتساب" منذ آب/أغسطس الماضي، فيما اكتفت شاكيد بالقول إن القضية قيد المعالجة من قبل الأجهزة الأمنية.
وأوضحت “هآرتس” أن بعض جهات الاتصال كانت محفوظة مع ملاحظات تشير إلى المناصب أو الوحدات الأمنية، ما يشكل، وفق خبراء، دليلاً مباشراً لأجهزة استخبارات معادية لتحديد أهداف المراقبة.
وظهرت في القوائم أسماء عشرات المنتمين إلى الوحدة 730 في جهاز “الشاباك”، المسؤولة عن حماية الشخصيات والوفود، إلى جانب عناصر أمن في الوزارات، وسائقي وزراء، وموظفين في منشآت حساسة، وأفراد خدموا في وحدات عسكرية وأمنية سرية.
وقال الباحث الأمني في شركة "بالو ألتو نتوركس"، إيتاي كوهين، إن تسريب أرقام الهواتف، خصوصاً لمسؤولين كبار، يشكل "سطح هجوم مباشراً"، موضحاً أن رقم الهاتف يُعد معرفاً دائماً يمكن استغلاله في الاختراقات الموجهة، وانتحال الهوية، وهجمات التصيد الاحتيالي.
وحذر التقرير من أن هذه البيانات يمكن ربطها بقواعد معلومات إسرائيلية سُرّبت سابقاً، مثل سجل السكان الكامل، وتطبيق "إليكتور" الذي كشف بيانات ملايين الناخبين، وملفات شركات احتوت معلومات حساسة عن مسؤولين سياسيين وأمنيين.
ورغم اتساع نطاق التسريبات، لا يزال الغموض يلف الكيفية التي حصلت بها مجموعة "هاندالا" على البيانات، سواء عبر اختراق مباشر للأجهزة أو من خلال نسخ احتياطية مخزنة على السحابة.
إلا أن خبراء الأمن السيبراني يجمعون على أن تسريب قوائم الاتصال وحده يشكل منجماً استخبارياً قادراً على إلحاق أضرار طويلة الأمد بالأمن الإسرائيلي.
