تلعب الهجرة دورًا محوريًا في المشروع الصهيوني منذ تأسيس دولة الاحتلال، إذ اعتمدت إسرائيل على استقطاب مهاجرين جدد لتعزيز البنية الديموغرافية وضمان استمرار وجودها. لكن هذه المعادلة تعرضت لصدمة كبيرة بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي فاقم المخاوف الأمنية وأدى إلى موجة واسعة من المغادرة وُصفت بـ“الهجرة المعاكسة”، وهو ما دفع الحكومة إلى البحث عن بدائل لتعويض هذا الفراغ الديموغرافي.
وفي هذا السياق، عادت قضية استقدام جماعة "بني منشيه" إلى الواجهة. هذه المجموعة الإثنية من شمال شرق الهند تدّعي أصولًا يهودية قديمة، وقد اتخذت الحكومة الإسرائيلية خطوات عملية لتسريع هجرتهم، في محاولة لسد الفجوة الديموغرافية الناتجة عن تراجع الهجرة التقليدية بعد الأحداث الأمنية الأخيرة.
الصراع على الديموغرافيا
تحتل الهجرة، أو ما يُعرف بـ"العلياه"، موقعًا مركزيًا في الفكر الصهيوني، في مقابل مفهوم"اليَردة" الذي يشير إلى الهجرة العكسية.
وقد ترجمت هذه العقيدة لاحقًا في قوانين مثل "قانون العودة" و"قانون الجنسية"، لتصبح جزءًا من ما تسميه إسرائيل "حق الوجود" والضمانة الديموغرافية للدولة.
من هم بنو منشيه؟
ينتمي بنو منشيه إلى جماعات إثنية في ولايتي مانيبور وميزورام شمال شرق الهند، ويزعمون أنهم من نسل سبط منسّى المذكور في التقاليد اليهودية. وتعتمد روايتهم أساسًا على التقاليد الشفهية، مع غياب أدلة تاريخية موثقة.
وخلال القرن العشرين، بدأت بعض هذه المجموعات بتبنّي ممارسات يهودية، قبل أن يطلق حاخام إسرائيلي في أواخر القرن اسم "بني منشيه" عليهم. ولم تعترف إسرائيل بهم رسميًا بالكامل، إذ صُنّفوا ضمن "نسل إسرائيل"، وهو تصنيف لا يمنحهم صفة يهودية كاملة وفق الشريعة الدينية.
كما تخضع هجرتهم لموافقات خاصة من الحكومة والكنيست، على أن يخضعوا بعد وصولهم لعملية "تهويد" دينية تشرف عليها منظمات إسرائيلية مختصة، تشمل التعليم الديني وتعلم اللغة العبرية والممارسات اليهودية التقليدية.
تشير المعطيات إلى أن نحو 4 آلاف من بني منشيه هاجروا إلى إسرائيل خلال العقدين الماضيين. وبعد فترات تجميد، عادت حكومات يقودها حزب الليكود إلى تفعيل هذا المسار، حيث أقرت الحكومة خطة لجلب نحو 5800 شخص على مراحل حتى عام 2030، مع تخصيص ميزانيات لتكاليف الإسكان والتعليم والتهويد.
ويأتي هذا القرار ضمن اعتبارات انتخابية وديموغرافية، إذ يُنظر إلى هؤلاء المهاجرين كرافعة لدعم أحزاب اليمين سياسيًا وديموغرافيًا، كما يتم توجيههم للسكن في مناطق ذات حساسية سكانية، وعلى رأسها منطقة الجليل ذات الأغلبية العربية تاريخيًا.
الجليل محور"التهويد"
تسعى الحكومة الإسرائيلية من خلال هذه السياسات إلى تعزيز الوجود اليهودي في مناطق استراتيجية مثل الجليل، في إطار خطة أوسع لإعادة رسم الخريطة السكانية في الشمال، وتأكيد السيطرة الديموغرافية والسياسية على المناطق ذات الأغلبية العربية.
وقد وصفت السلطات هذه الخطوة بأنها "صهيونية" وضرورية لمستقبل الدولة، ضمن رؤية طويلة المدى للحفاظ على التوازن الديموغرافي لصالح اليهود.
المصدر : وكالة شهاب _ وكالات
