تقرير خاص - شهاب
بينما يكافح سكان قطاع غزة لتأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل ظروف معيشية قاسية، تتصاعد على منصات الإعلام العبري، لا سيما عبر القناة 14؛ موجة من المقاطع المصوّرة التي تزعم أن سكان القطاع يعيشون حياة طبيعية، بل وتُظهر مشاهد من مطاعم ومراكز تسوق تعمل، وأشخاص يبتسمون أمام الكاميرا، في محاولة لتسويق رواية مفادها أن غزة "تعافت" ولا وجود لمظاهر الفقر أو المجاعة التي تتحدث عنها التقارير الدولية.
هذه المشاهد، التي يتم تداولها بكثافة، تُعرض وكأنها صورة شاملة لحياة أكثر من مليوني إنسان داخل القطاع، في تجاهل تام لواقع النزوح الواسع والدمار الهائل في البنية التحتية، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وانعدام الأمن الغذائي، وتكدّس آلاف العائلات في خيام ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وبحسب مراقبين، فإن ما يجري ليس تغطية إعلامية بقدر ما هو انتقاء مدروس للقطات قصيرة من أماكن محدودة، وفي أوقات محسوبة، ثم تعميمها باعتبارها "المشهد العام"، إذ أن مطعم مزدحم في حي معين، أو متجر يعمل في منطقة محددة، يتحولان فجأة إلى دليل مزعوم على أن الحياة تسير بشكل طبيعي، في حين يتم تجاهل آلاف القصص الأخرى التي لا تجد طريقها إلى الكاميرا.
حملة دعائية منظمة
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يجري يندرج ضمن حملة إعلامية ممنهجة، موضحًا أن "الحملة الإعلامية جزء مهم في أي وضع سياسي أو إنساني أو اقتصادي"، وأن الاحتلال انتهج عدة أساليب لإظهار أن المجاعة انتهت وأن الحياة باتت وردية، ضمن عمليات تضليل موجهة للخارج.
ويضيف أبو قمر في حديثه لوكالة (شهاب) أن من أبرز هذه الأساليب إدخال شاحنات بكميات أقل من احتياجات السكان، ثم تصويرها على أنها كميات كبيرة تغطي احتياجات القطاع، مردفًا "يتم إدخال شاحنات تجارية بنسبة أكبر مقارنة بشاحنات مساعدات أساسية كالطحين والبقوليات، رغم أن نحو 95% من السكان يعتمدون اليوم على المساعدات".
ويضرب مثالًا بما حدث في قضية إدخال أجهزة "آيفون" إلى غزة، إذ جرى تصوير الأمر على أنه دليل على قدرة السكان الشرائية وعودة الحياة الاستهلاكية لطبيعتها، في حين أن هذه المشاهد محدودة ولا تعكس واقع الأغلبية التي تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية.
ويتابع: "قد يتم إغراق السوق ببعض السلع الثانوية مثل الشوكولاتة أو المعلبات سريعة التحضير، لكن في المحصلة تبقى الأزمة الحقيقية في نقص المواد الأساسية والمساعدات الغذائية، وهو ما لا يتم إظهاره".
مؤشرات اقتصادية أسوأ من السيئ
ويشير أبو قمر إلى أن المؤشرات الاقتصادية الحالية في قطاع غزة "أسوأ من السيئ"، موضحًا أن نسبة البطالة بلغت نحو 80%، فيما تجاوزت معدلات الفقر 90%، وهي أرقام تعكس حجم التدهور المعيشي.
ويؤكد أن الحديث عن تعافٍ اقتصادي في ظل استمرار إغلاق المعابر بشكل شبه كامل، ومنع إدخال المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع والورش، يفتقر إلى أي أساس واقعي، مضيفًا أن القطاع شبه منعدم اقتصاديًا، وطالما بقيت المعابر مغلقة ولم تُدخل المواد الخام، فمن الصعب الحديث عن أي عملية تعافٍ حقيقية.
خطورة هذه المقاطع لا تكمن فقط في مضمونها، بل في السياق الذي تُوظف فيه، إذ تستخدمها منصات إسرائيلية للقول إن غزة لا تعاني كما يُشاع، وإن الحديث عن المجاعة أو الانهيار المعيشي مبالغ فيه، في محاولة لتقويض الرواية الإنسانية التي تنقلها منظمات دولية ووسائل إعلام مستقلة.
غير أن المفارقة المؤلمة، وفق نشطاء، أن بعض هذه المقاطع يتم تصويرها ونشرها من داخل القطاع نفسه، عبر تجار أو أصحاب مصالح يسعون للترويج لأعمالهم التجارية في ظل الأزمة، ورغم أن الترويج للنشاط الاقتصادي حق مشروع، إلا أن تصويره خارج سياقه العام، ودون الإشارة إلى كونه استثناءً محدودًا وسط كارثة واسعة، يفتح الباب أمام استغلاله دعائيًا.
ويرى نشطاء أن تحميل المشهد الكامل للواقع الغزي على مقطع دعائي أو فيديو ترويجي يُعد اختزالًا خطيرًا لمأساة مركبة، فوجود مطعم يعمل لا ينفي وجود آلاف العائلات بلا غذاء، وفتح بعض المحلات التجارية لا يعني انتهاء الحصار، وابتسامة أمام عدسة لا تعكس أبدا ما يجري خلف جدران البيوت المهدّمة.
فلا يزال قطاع غزة يعاني من شحّ المواد الأساسية، وارتفاع أسعار السلع إلى مستويات تفوق قدرة غالبية السكان، إضافة إلى بطالة واسعة وانعدام مصادر دخل مستقرة، في ظل استمرار القيود والإغلاق والدمار الذي طال أحياء كاملة.
وفي حين تتحمل آلة الدعاية الإسرائيلية مسؤولية تزييف الصورة وتضليل العالم، فإن ثمة دعوات داخلية متزايدة لضرورة التحلي بالمسؤولية في التعامل مع المشهد الإعلامي، وعدم تحويل الاستثناء إلى قاعدة، أو تقديم لقطات جزئية بوصفها حقيقة عامة، بما يساهم "عن قصد أو غير قصد" في طمس حجم المعاناة.
واقع غزة الحالي، كما يؤكد سكانها، معقد يتأرجح بين محاولات الصمود اليومية وبين أزمة إنسانية عميقة، وأي معالجة إعلامية تتجاهل هذا التوازن المختل، إنما تُسهم في دفن الحقيقة تحت وهج الكاميرا.
