التراث الفلسطيني في الضفة الغربية بين الاستهداف والنهب .. سياسات احتلالية تهدد الهوية والتاريخ

يواجه التراث الفلسطيني في الضفة الغربية تحديات جسام تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع تصاعد السياسات التي تهدف إلى التهويد والتوسع الاستيطاني، وعمليات التخريب والنهب الممنهجة للمواقع الأثرية والتاريخية.

هذه الإجراءات لم تقتصر على السيطرة على الأراضي، بل امتدت لتطال الذاكرة التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني، ما جعل الحفاظ على المواقع الأثرية والهوية الوطنية قضية مصيرية تتطلب اهتمامًا دوليًا ومحليًا.

تقليص حضور الفلسطينيين 

يشير مسؤولون فلسطينيون إلى أن نحو سبعة آلاف موقع أثري وديني وسياحي في الضفة الغربية باتت عرضة لمخاطر الاستملاك، ما يتيح للاحتلال تبرير توسيع المستوطنات وتقليص حضور الفلسطينيين التاريخي على أرضهم.

كما تحذر وزارة السياحة والآثار من أن السيطرة المتزايدة على هذه المواقع تحدّ بشكل مباشر من إمكانية الفلسطينيين زيارة معالمهم التراثية، وتزيد من العزلة المكانية، وتضعف الرابط بين المجتمع الفلسطيني وموروثه الثقافي العريق.

وفي السياق، أعلن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" استملاك الموقع الأثري في سبسطية "للمصلحة العامة" في 17 فبراير/شباط الحالي، في خطوة تعكس تغيّرًا أوسع في تعامل "إسرائيل" مع التراث الفلسطيني في الضفة الغربية. ويأتي هذا القرار ضمن إطار تشريعي وإداري يمنح سلطات الاحتلال غطاءً قانونيًا لتوسيع سيطرتها على المواقع الأثرية.

يتضمن القرار مصادرة نحو ألفي دونم وإنشاء حديقة تفصل الموقع الأثري عن محيط البلدة، ويقدّر عدد المواقع الأثرية والدينية والسياحية في الضفة الغربية، المحتلة منذ عام 1967، بنحو 7 آلاف موقع، منها نحو 60% تقع في مناطق مصنفة (ج)، بما يقارب 3800 موقع، فيما يوجد نحو 1800 موقع في مناطق (ب)، و1300 في مناطق (أ)، بحسب وزارة السياحة.

وبحسب الوزارة، هناك 59 موقعًا ومعلمًا أثريًا وسياحيًا في محافظة نابلس وحدها مهددة بأن تواجه مصير سبسطية بالضم والاستيلاء، وهي موزعة بين أراضٍ مصنفة (ج) و(ب).

ونوهت الوزارة إلى أن قرارات الاحتلال المتعلقة بالمواقع الأثرية والتاريخية "فتحت شهية المستوطنين" للاستيلاء على مواقع لم تكن ضمن نطاق استهدافهم المعلن سابقًا.

WhatsApp Image 2019-08-08 at 11_35_31 (1).jpeg


 

من جانبه، أوضح محمد جرادات، مدير دائرة جرد المواقع الأثرية في وزارة السياحة، أن الأراضي الفلسطينية تتعرض منذ عام 2013 لنهب ممنهج وغير مسبوق، يشمل ضم المواقع الأثرية وسرقة القطع التاريخية.

وأضاف أن هذه العمليات تصاعدت بشكل كبير خلال عام 2024، مع تعزيز حكومة الاحتلال الإسرائيلية لهذه السياسات، وإصدار قرار يمنح الإدارة المدنية "الإسرائيلية" السيطرة الكاملة على جميع المواقع الأثرية الواقعة في المنطقة المصنفة (ب)، ما يشمل نحو 25% من قائمة المواقع الأثرية الفلسطينية البالغ عددها حوالي 7000 موقع ومعلم أثري ضمن حدود فلسطين عام 1967.

ذرائع واهية 

وكشف جرادات أن ما يجري هو مزيج بين عمل ممنهج وتصعيد ميداني، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال تتخذ إجراءات تهدف إلى فرض السيطرة على المواقع الأثرية، أبرزها إقامة ما يُسمّى بـ"حديقة أثرية" في منطقة سبسطية شمال مدينة نابلس، على مساحة نحو 800 دونم.

ويُعد موقع سبسطية من المواقع المدرجة على القائمة التمهيدية للترشيح إلى قائمة التراث العالمي، حيث تعمل وزارة السياحة والآثار على إعداد ملفه لاعتماده كموقع تراث عالمي.

وأشار جرادات إلى أن المصادرات "الإسرائيلية" للمواقع الأثرية تأتي ضمن سياق أوسع لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الاحتلال سبق وأن استولى على 63 موقعًا أثريًا في نابلس، تقع غالبيتها في مناطق مرتفعة أو بمحاذاة الشوارع، لا سيما الطرق الالتفافية، وأن هذه الإجراءات تهدف إلى دمج الأراضي المحيطة بالمواقع ضمن المشروع الاستيطاني.

وأوضح أن الاحتلال يعلن ضم بعض المواقع بذريعة تطويرها أو إقامة "حدائق أثرية"، في حين تخدم هذه الخطوات مشروع الاستيطان بتثبيت البؤر الاستيطانية غير المعترف بها رسميًا، وضم مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بها، فضلاً عن توسيع ظاهرة الاستيطان الرعوي، الذي يسمح للرعاة "الإسرائيليين" بالدخول إلى مناطق فلسطينية.

أعمدة-تاريخية-في-سبسطية-730x438.jpg


 

وأضاف أن هذه السياسات تهدف أيضًا إلى توسيع المستوطنات القائمة وربط المواقع الأثرية المصادرة بها، ما يؤدي إلى ضم المزيد من الأراضي، بالإضافة إلى فرض الحصار على المدن والبلدات الفلسطينية في نابلس، ومصادرة أراضٍ لإقامة بنى تحتية للمستوطنات، بما في ذلك شق الطرق.

وأشار إلى أن القرارات الأخيرة، استجابة لمطالب المستوطنين، ربطت الطاقم العامل في الإدارة المدنية بـ"سلطة الآثار الإسرائيلية"، ما أدى إلى قيام جامعات إسرائيلية بتنفيذ أعمال تنقيب داخل المواقع الأثرية في المنطقة (ب)، ومنها أعمال في خربة تبنى قرب النبي، نفذتها جامعة "بار-إيلان".

وحول مصير القطع الأثرية المسروقة، أوضح جرادات أنها كانت تُخزّن في مخازن بمنطقة الشيخ جراح في القدس، فيما تُخزّن آثار قطاع غزة في مدينة عسقلان، وتصل إلى ملايين القطع، بعضها يُعرض في المتاحف "الإسرائيلية"، أو في مجموعات خاصة مثل مجموعة "موشيه ديان"، بينما يتم التعامل مع القطع كملكية "إسرائيلية"، مع إجراء الدراسات والأبحاث عليها، وأحيانًا نقل بعضها إلى الخارج.

نهب ممنهج

وأضاف أن عملية نهب الآثار تمثل جزءًا من سياسة التهويد المستمرة، والتي بدأت بالقدس والجليل وتمتد اليوم إلى الضفة الغربية، ضمن جهود ممنهجة لنزع الطابع العربي والإسلامي والمسيحي وفرض سردية "توراتية" مزيفة على المواقع الفلسطينية.

وأوضح أن الاحتلال يربط المواقع الأثرية بالروايات التوراتية، ويعيد تفسيرها بما يخدم روايته، كما يتم ترسيخ هذه الرواية في المناهج الدراسية "الإسرائيلية"، وتقديمها عالميًا على أنها جزء من التراث اليهودي، رغم أن الأصل فلسطيني.

وحول حجم الضرر الناتج عن نهب الآثار، أشار جرادات إلى أنه يشمل حرمان الفلسطينيين من حماية مواقعهم، وتأهيلها، وإدراجها ضمن خارطة سياحية، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني، ويتيح للاحتلال اختلاق سرديات تاريخية مزيفة، تُسوّق على المستوى الدولي، كما يحدث في القدس والخليل، حيث يُحصر التاريخ في إطار رواية واحدة مرتبطة بالاحتلال.

وأكد جرادات أن هذه الانتهاكات تشكل جرائم وفق القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية لاهاي 1954، واتفاقية اليونسكو 1972، والبروتوكول الثاني لعام 1999، وأن فلسطين منذ 2011 عضو كامل في اليونسكو، مما يمنحها صوتًا فاعلًا لمتابعة الانتهاكات والضغط على الاحتلال.

شدد جرادات على ضرورة اتخاذ خطوات فلسطينية وعربية ودولية لحماية التراث، منها: الحفاظ على المواقع الفلسطينية تحت السيطرة الفلسطينية، وتوثيق الانتهاكات يوميًا، مؤكّدًا أن التراث الفلسطيني يمثل إرثًا إنسانيًا يجب الحفاظ عليه، وأن الجهود الفلسطينية مستمرة رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، للحفاظ على هذا التراث وصونه وتقديمه للعالم بشكل مصان.

من جانبه، يرى رئيس قسم الآثار والتراث في جامعة الخليل، محمد عداربة، أن الاحتلال دأب على توظيف ملف الآثار في خدمة أهدافه السياسية، من خلال تبنّي روايات "تفتقر إلى الأساس العلمي في علم الآثار"، معتبرًا أن "لب الصراع يتمحور حول الأرض بوصفها موروثًا دينيًا وحضاريًا يسعى الاحتلال إلى توظيفه سياسياً عبر الاستناد إلى ما تصفه بأدلة أثرية".

ويشير عداربة في تصريح تابعته "شهاب" إلى أن ما يُطرح بشأن حماية مواقع مثل سبسطية من التهميش يندرج ضمن مسار أوسع للسيطرة على المواقع الأثرية وعيون المياه والأراضي الزراعية، في إطار السياسة الاستيطانية.

ويؤكد عداربة أن الاحتلال أدرج عددًا من المواقع الأثرية والتاريخية ضمن قوائم التراث "الإسرائيلي"، وحاولت تسجيل بعضها على قائمة التراث العالمي، إلا أن منظمة اليونسكو رفضت ذلك، لوقوع هذه المواقع ضمن حدود الرابع من يونيو 1967، أي في أراضٍ فلسطينية محتلة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة