شكّلت الإمارات العربية أحد الفاعلين الإقليميين الأكثر إثارة للجدل في السياسة العربية، إذ اتهمت فى السنوات الأخيرة بدعم سياسات عدم الاستقرار في بلدان عدة، من خلال تدخلات اقتصادية وسياسية تثير الريبة وتعمّق الصراعات الداخلية.
يثيراليوم الإعلان عن تمويل أبوظبي لما يُعرف بـ"رفح الخضراء" – أول مجمع سكني مخطط له في جنوب قطاع غزة – موجة جديدة من التساؤلات والانتقادات، خصوصًا بين الفلسطينيين الذين يعتبرون المشروع جزءًا من مخطط أوسع للتغيير الديموغرافي والسيطرة على الأراضي، ضمن رؤية أمريكية–إسرائيلية.
علامات الاستفهام
وبينما تصوّره الجهات الممولة كمبادرة لإعادة إعمار ما بعد الحرب وتوفير خدمات أساسية، يراه كثيرون على الأرض كخطوة أولى نحو تهجير السكان الأصليين وإعادة توزيعهم قسراً، وهو ما يضع أمام المشروع آلاف علامات الاستفهام حول جدوى الدعم الإماراتي، ونواياه السياسية، ودوره في تمكين أجندات خارجية على حساب الحقوق الفلسطينية التاريخية.
وكشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريراً مفصلاً يفيد بأن الإمارات العربية المتحدة تعتزم تمويل "أول مجمع سكني مخطط له في غزة" على أطراف مدينة رفح المدمرة، أقصى جنوب القطاع.
وسيتمكن السكان الفلسطينيون هناك من الحصول على الخدمات الأساسية، بما فيها التعليم والرعاية الصحية وشبكات المياه الصحية، شريطة خضوعهم لإجراءات تقديم البيانات البيومترية والتدقيق الأمني، وفقاً لوثائق التخطيط ومصادر مطلعة على الجولة الأخيرة من المحادثات في مركز التنسيق المدني العسكري بقيادة الولايات المتحدة في إسرائيل.
ويمثل هذا المجمع المخطط له أول استثمار إماراتي في مشروع إعادة إعمار ما بعد الحرب، ضمن الجزء من غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل حالياً.
وقد تم الكشف عن تفاصيل المشروع في عرض تقديمي غير سري حصلت عليه "الغارديان" ونشره موقع "دروب سايت" لأول مرة، إلا أن دور الإمارات كممول رئيسي للمشروع لم يُعلن عنه سابقًا.
ووفقاً لمسؤول في مجال المساعدات الإنسانية، طلب عدم الكشف عن هويته، فقد أُعدّ العرض التقديمي لمجموعة من المانحين الأوروبيين الذين زاروا مركز تنسيق التعاون العسكري في 14 يناير/كانون الثاني، وقد حظيت الخطط بموافقة المخططين العسكريين الإسرائيليين.
ووصل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وجوش غرينباوم، أعضاء ومستشارون في مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة، يوم الجمعة إلى أبوظبي للتوسط في محادثات السلام بين المفاوضين الروس والأوكرانيين. ز
وقد وافقت الدولة الخليجية الحليفة على استضافة هذا الاجتماع الثلاثي التاريخي بعد أن تعهدت بدعمها لعدد من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة، بما في ذلك مجلس السلام.
وتم تكليف المجموعة حديثاً بالإشراف على جهود إعادة الإعمار في غزة، وذلك بعد تأييد دونالد ترامب لميثاقها التأسيسي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
عمليات التفتيش الأمني
وقال مسؤول أمريكي إن أول مجمع مدعوم من الإمارات يمكن أن "يصبح نموذجاً" لسلسلة من المخيمات السكنية التي وصفها مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون بأنها "مجتمعات آمنة بديلة".
وفي أول مشروع سكني في رفح، والذي يُوصف بأنه "دراسة حالة"، يتصور المخططون عدة جهود للحد من نفوذ حركة حماس، بما في ذلك إدخال محافظ الشيكل الإلكترونية "للحد من تحويل البضائع والأموال إلى قنوات حماس المالية"، واعتماد منهج دراسي "غير تابع لحماس"، مقدم من الإمارات العربية المتحدة.
كما يوضح المخططون أنه سيُسمح للسكان "بالدخول والخروج من الحي بحرية، مع مراعاة إجراءات التفتيش الأمني لمنع دخول الأسلحة والعناصر المعادية".
ومع ذلك، لا توضح الخطط الجهة التي ستجري عمليات التفتيش الأمني عند نقاط الدخول والخروج من المجمع السكني المخطط له.
ويقدر خبراء الأمم المتحدة أن جهود إعادة الإعمار قد تستغرق ما يصل إلى 80 عاماً، نظراً لحجم الدمار الكبير في القطاع. كما قد يؤدي إزالة الأنقاض ونزع فتيل الذخائر غير المنفجرة وانتشال الجثث العالقة تحت الأنقاض إلى تعقيد العملية أكثر.
ويشير الجدول الزمني للمشروع الذي حصلت عليه الغارديان إلى أن تخطيط الموقع بدأ بمراجعة "سند ملكية الأرض" في أواخر أكتوبر، وسيستغرق ما لا يقل عن أربعة إلى ستة أشهر من التحضيرات قبل بدء أعمال البناء. وكانت مراجعة صكوك الملكية أولوية قصوى للمخططين، وفقًا لشخصين مطلعين على العملية.
وإذا استطاع ملاك الأراضي الفلسطينيون إثبات ملكيتهم للموقع بموجب صكوك ملكية، فقد يُتهم ممولو الخليج وغيرهم من الجهات المرتبطة بـ"أول مشروع سكني مخطط له في غزة" بالتهجير القسري للسكان المدنيين، وهو ما يُعد جريمة حرب.
وقال محمد شهادة، زميل زائر لشؤون الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن مخططي إعادة الإعمار في مركز تنسيق إعادة الإعمار يبدو أنهم يعملون على افتراض أن الفلسطينيين سيغادرون المنطقة الحمراء التي تسيطر عليها حماس وينتقلون إلى المجتمعات التي تم بناؤها حديثًا "إذا تم إلقاء ما يكفي من الطعام هناك".
وللانتقال إلى المجمع الإماراتي، سيتعين على الفلسطينيين المقيمين في "المنطقة الحمراء" عبور نقطة تفتيش إسرائيلية إلى "المنطقة الخضراء"، وبعد ذلك يخضعون لـ"تدقيق أمني" و"توثيق بيومتري".
ولا تحدد الخطط الجهة المسؤولة عن إتمام التدقيق أو إدارة جمع البيانات البيومترية، كما أنها لا توضح أسباب منع أي شخص من الدخول.
وتشير وثائق التخطيط إلى أن الفلسطينيين الذين تمت الموافقة على دخولهم سيستخدمون أرقام هويتهم الفلسطينية، الصادرة عن السلطة الفلسطينية وبالتنسيق مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية (COGAT)، للانضمام إلى سجل المجتمع.
المصدر : متابعة شهاب و الغارديان البريطانية
