مرام عليان - غزة
تجاوزت حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة كل الأرقام القياسية في حجم المعاناة الإنسانية، لم ترحم صغيراً أو كبيراً كما استهدفت الطفولة بشكل مباشر.
ووفقاً لتقديرات وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة اليونيسيف فإن عدد الأطفال الذين استشهدوا في حرب الإبادة الجماعية تجاوز الـ20 ألف طفل شهيد، وأكثر من 19 ألف طفل باتوا يتامى أو فقدوا ذويهم بالكامل في هذه الحرب، يعيشون بلا أب، بلا أم، وبلا مأوى يحميهم من ذكريات الفقد.
عمر مصباح الهندي، ذو العشر سنوات، هو واحد من هؤلاء؛ طفلٌ كُتب له أن يحمل لقب الناجي الوحيد في عائلة لم يتبقَّ منها سوى الأسماء.
العائلة التي غابت خلف الركام
عمر، بملامحه الصبوحة، وعينيه الخضراوتين اللتين تعكسان خضرة حزينة، وشعره الأسود المرتب، كان مدلل البيت وضحكته.
في تاريخ 19 أكتوبر 2024، في شمال القطاع، توقفت عقارب الساعة بالنسبة لعمر. حزام ناريّ حول العمارة التي تأويه مع عائلته إلى مقبرة جماعية، هناك، ارتقى والده، ووالدته، وأخته أسيل، وثلاثة من إخوته: علي، وعز الدين، والرضيع شريف الذي لم يتجاوز عمره أربعة أشهر.
مئات الشهداء سقطوا في تلك المجزرة، وما زال معظمهم يلحفهم التراب تحت الأنقاض، لكن عمر، قدر له أن ينجو، ليكون له من اسمه نصيب، وليحمل عمراً مليئاً بالوجع.
الحضن الأخير والخدعة الكبرى
يسترجع عمر تلك الليلة بعينين تائهتين في فراغ الغرفة، وكأنه يشاهد شريطاً لا يتوقف. يقول والدمع يتأرجح في محجريه: "كنت خايف من صوت القصف، فحضنني بابا، وبدأ يلاعبني عشان أنام".
لم يدرك عمر أن ذلك الحضن كان الوداع الأخير، وأن صدر والده كان الملاذ الأخير قبل أن يستيقظ وحيداً على سرير المشفى، يغطيه الدم والضجيج.
يتلعثم عمر حين يصف لحظة استيقاظه، يسأل عن أمه وأبيه، فيأتيه الرد من المحيطين بكلمات مسكنة: "هيهم بيطلعوهم، يمكن عايشين، هيهم جايين"، يبتسم عمر بمرارة ويقول بلهجته الصادقة: "كانوا بيضحكوا عليا، وطلعوا مستشهدين".
وأكثر ما يوجع قلبه الصغير هو شقيقه الرضيع شريف: "شفته، كان لساته بيتنفس وعايش، كان بدي يضل معي شي من ريحة عيلتي، بس راح ولحق بماما وسابوني لحالي".
اليد التي لم تمسكها أم
في غرف العمليات الباردة، خضع عمر لجراحة بليغة في قدمه اليمنى أسفرت عن قطع إصبعين، هناك، لم تكن يد الأم موجودة لتمسح على رأسه.
يقول بوجع: "كنت حابب حد يمسك إيدي، أمي تيجي عندي وتمسك إيدي وما يخوفنيش"، وحين أخبروه أن أصابعه سبقت أهله إلى الجنة، لم يكن ذلك كافياً لترميم روحه المكسورة.
تروي جدته -أم مصباح- بقلبٍ منفطر كيف يواجه عمر واقعه الجديد. "ليش يارب ما استشهدت معهم، ليش يارب ما بتحبني؟"؛ تساؤلات وجودية يطرحها طفل العشر سنوات وهو يراقب الأطفال مع عائلاتهم، يتساءل بإنكار: "هل يمكن أن أقول لعمي بابا؟ ولأبناء عمي إخوتي؟".
تراه الجدة فجراً يبكي بصمت في فراشه، يرفض الطعام، ويلوذ بـ "سوار" صنعه من الحروف الأولى لأسماء عائلته الراحلة، ليبقى متمسكاً بخيطٍ واهن يربطه بهم.
جراح الجسد وأحلام المستقبل
ينظر عمر إلى قدمه بـ "قرف" كما يصف، يطلب "الجوارب" دوماً ليغطي جرحه الذي يذكره بعجزه وعجزه عن العودة كما كان، ومع ذلك، ومن قلب هذا الانكسار، تبرق عيناه فجأة بحلمٍ بريء: "بدي أصير دكتور عشان أحقق أمنية أخوي علي الله يرحمه".
ويضيف ببراءة: "بدي أخلي معي إبر بنج، عشان الأطفال ما يحسوا بالوجع".
يحلم عمر بالعلاج في الخارج، وبأن يمشي مجدداً بلا خوف، لكن رسالته للعالم أبعد من ذلك: "بدي أعيش بدون قصف وخوف، وقفوا إسرائيل عشان ما تقصفناش ونعيش بلا عيلة، بدنا نكون زي أطفال العالم".
"أطفال غزة مرّوا بما لا ينبغي لأي طفل في العالم تحمله؛ فكثير منهم قُتلوا، وكثير أُصيبوا، وكثير سيظلون مشوهين مدى الحياة"، إن هذا التصريح للمفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، يختصر مأساة جيل كامل استُهدف في مئات المجازر الممنهجة التي حولت بيوتهم ومدارسهم إلى مقابر جماعية، فباتت حقوق الطفل مجرد شعارات تُذبح على أعتاب غزة.
