رغم الدمار الذي يحيط بهم من كل جانب، والمساجد التي تحولت إلى ركام، والخيام التي باتت مأوى لآلاف العائلات، يصرّ الغزيون على استقبال شهر رمضان بروحٍ لا تنكسر، لا ينتظرون اكتمال الإعمار ولا تحسّن الظروف، بل يصنعون من القليل طقوسًا تحفظ للشهر مكانته، ويواجهون الحرب بلغة تحدٍ واضحة: سيبقى رمضان شهر عبادة ولمّة وبهجة، مهما اشتدت المعاناة.
استعداد ولمّة
يقول حسن نعيم (65 عامًا) من بيت لاهيا، إن رمضان قبل الحرب “كان يبدأ قبل رؤية الهلال بأيام طويلة”، مضيفًا: “كنا نستعد بشراء حاجيات البيت وتنظيفه، ونحضّر أنفسنا لصلاة التراويح وقراءة القرآن، ونضع جدولًا لزيارة الأقارب، يوم هنا ويوم هناك”.
ويتابع في حديثه لوكالة شهاب، : “رمضان كان شهر العائلة بامتياز، نجتمع حول مائدة واحدة، ونتبادل الدعوات، وكل بيت له زيارته وطقوسه”، أما اليوم، وبعد أن فقد منزله وتفرّق عدد من أفراد عائلته بين مناطق النزوح، يؤكد أن روح الشهر ما زالت حاضرة: “نجتمع حيثما استطعنا، حتى لو في فناء الخيمة، المهم أن تبقى اللمّة ويظل رمضان مختلفًا”.
نصنع الفرح
أما رنيم أبو وردة (48 عامًا) من جباليا، فتستقبل رمضان داخل خيمة في حي تل الهوا غرب مدينة غزة. تقول أبو وردة لـ"وكالة شهاب": “كل شيء تغيّر، لكننا نحاول أن نحافظ على أجواء الشهر. أزيّن الخيمة بما أستطيع من زينة رمضان التي قمت بصناعتها بنفسي حتى يشعر أطفالي بفرحة رمضان”.
وتضيف بروح صابرة: “ربما نفتقد البيت والكهرباء وصوت الأذان القريب، لكننا لا نفتقد الإيمان، نصنع الفرح من أبسط الأشياء، ونريد لأطفالنا أن يتذكروا أن رمضان يبقى شهر الخير مهما كانت الظروف”.
فوانيس على الخيام
وفي إحدى المدارس غرب مدينة غزة، يحاول الفنان التشكيلي محمد مطر، النازح من حي الشجاعية، أن يزرع لونًا في مساحة يغلب عليها الرماد. يمضي مطر أيامه في رسم فوانيس رمضان على شوادر الخيام وأبواب الغرف الصفية التي تؤوي النازحين، في محاولة لإحياء أجواء الشهر بين العائلات التي أنهكتها الحرب.
يقول مطر لوكالة شهاب، إن أهالي غزة حُرموا من فرحة قدوم رمضان خلال العامين الماضيين، مضيفًا: “هذا العام أردت أن أرسم البسمة على وجوه الأطفال والكبار. حين يرى الناس فانوسًا مرسومًا على باب خيمتهم، يشعرون أن رمضان جاء فعلًا، وأن الحياة لم تتوقف”.
ويؤكد أن رسوماته ليست مجرد ألوان، بل رسالة صمود، موجّهًا حديثه للاحتلال: “لن تستطيعوا كسر إرادة الشعب الفلسطيني. قد تهدمون البيوت، لكنكم لن تهدموا الروح”. ويعرب عن أمله في أن يكون رمضان المقبل مختلفًا، قائلاً: “أتمنى أن أرسم فانوس رمضان العام القادم على باب منزلي في الشجاعية بعد إعادة إعماره”.
لا صلاة في المساجد
من جانبه، يقول حسين عبد ربه (39 عامًا) من جباليا، إن أجواء المساجد وصلاة التراويح كانت جزءًا أساسيًا من ذاكرة رمضان، لكن تدمير عدد كبير من المساجد غيّر المشهد. ومع ذلك، يضيف في حديثه لوكالة شهاب: “نصلي جماعة حيثما استطعنا، في ساحات أو بين الخيام. المهم أن تبقى الروح حاضرة”.
ويتابع: “رمضان هذا العام ليس كما كان، لكننا مصرّون أن نحافظ على معناه. نعلّق زينة بسيطة، نتشارك الطعام، ونحاول أن نبقي الأمل حيًا في قلوب أطفالنا”.
بين الدمار والإصرار
وللعام الثالث، يستقبل الغزيون رمضان وسط واقع قاسٍ خلّفته الحرب منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما حملته من فقد للأهالي والأحباب ودمار واسع طال الأحياء السكنية والمساجد والبنية التحتية.
ورغم ذلك، تتجلى روح الصمود واستقبال رمضان كفعل مقاومة في تفاصيل صغيرة: فانوس مرسوم على خيمة، مائدة إفطار متواضعة تجمع أسرة مشتتة، صلاة تُقام بين خيام النازحين، وابتسامة طفل وجد في الألوان ما يبدد شيئًا من العتمة.
