تواصل سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" إغلاق المسجد الإبراهيمي الشريف في قلب مدينة الخليل بمدينة الضفة الغربية لليوم السادس على التوالي، متذرعة بـ "حالة الحرب" الراهنة وعدوان الاحتلال "الإسرائيلي" والأمريكي على إيران لتمرير إجراءات عسكرية مشددة تحول دون وصول المصلين إلى الحرم.
وتأتي هذه خطوة ضمن سلسلة من التضييقات الممنهجة التي تستهدف الهوية الإسلامية للمكان وتفرضه كمنطقة عسكرية مغلقة أمام أصحابه الشرعيين.
وتتجسد معاناة المواطنين الفلسطينيين في شهادات ميدانية قاسية، حيث يروي المواطن محمد الجعبري كيف اصطدم بجدار من الجنود والمنع عند محاولته الوصول للمسجد، مشيراً إلى أن الاحتلال لا يكتفي بمنع المصلين فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إسكات صوت الأذان وقطع الصلة الروحية تماماً بين المسجد ومحيطه.
الأمر الذي يفسره الجعبري بأنه سياسة متعمدة تهدف إلى تهجير المصلين نفسياً وجسدياً عن المسجد لتمهيد الطريق نحو سيطرة استيطانية كاملة على هذا المعلم الذي يشدد الفلسطينيون على كونه وقفاً إسلامياً خالصاً لا يقبل القسمة.
وفي سياق القراءة السياسية لهذه التطورات، يرى الناشط السياسي عبد المجيد شديد أن ما يحدث اليوم ليس وليد الصدفة أو مجرد إجراء أمني مؤقت، بل هو استغلال مفضوح لظروف الحرب لتحقيق أطماع استيطانية ودينية مؤجلة.
وأكد شديد أن المخطط "الإسرائيلي" يستهدف بالأساس تقليص الوجود الفلسطيني في المسجدين الأقصى والإبراهيمي على حد سواء.
ووصف هذه الإجراءات بأنها جزء من "حرب دينية" شاملة يشنها الاحتلال على المقدسات الفلسطينية لتغيير طابعها التاريخي والقانوني تحت غطاء الطوارئ العسكرية.
وتعود جذور الاستهداف الممنهج للمسجد الإبراهيمي إلى عقود مضت، وتحديدا منذ المجرة البشعة التي ارتكبها المستوطن "باروخ غولدشتاين" عام 1994، والتي استغلها الاحتلال لاحقاً لفرض تقسيم زماني ومكاني داخل المسجد، واقتطاع جزء كبير منه لصالح المستوطنين.
ومنذ ذلك الحين يخضع المسجد لسيطرة أمنية مشددة تشمل بوابات إلكترونية وحواجز عسكرية تعزل البلدة القديمة في الخليل عن محيطها، مما جعل من ممارسة الشعائر الدينية رحلة محفوفة بالمخاطر والتضييق المستمر.
إن هذا الإغلاق الأخير يندرج ضمن استراتيجية "خلق الوقائع على الأرض"، حيث يسعى الاحتلال عبر تكرار منع الأذان وإغلاق البوابات إلى تعويد المجتمع الدولي والمحلي على فكرة غياب السيادة الفلسطينية عن المقدسات، مستنداً إلى بروتوكول الخليل لعام 1997 الذي قسم المدينة إلى منطقتي (H1) و(H2)، ووضع المسجد الإبراهيمي ضمن المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية "الإسرائيلية" الكاملة، مما يمنح جيش الاحتلال الذريعة القانونية والأمنية للتحكم في مصير المسجد ومستقبل الوجود العربي فيه.
