تقرير / شهاب
يسجل شاطئ بحر غزة شاهدًا حيًا على آثار حرب الإبادة المستمرة التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة، وما خلفته الصواريخ والقصف المتواصل من دمار طال الأرواح والمباني والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك القطاعات الزراعية والحيوانية والبحرية، إضافة إلى الموانئ وقوارب الصيد ومرافق معالجة المياه والصرف الصحي.
وقد انعكست تداعيات هذه الحرب بشكل واضح على البيئة البحرية، حيث شهد متنفس غزة الطبيعي تدهورًا ملحوظًا في جودة المياه والتنوع الحيوي والثروة السمكية، ما أثر مباشرة في سبل عيش الصيادين والاقتصاد المحلي. وبات البحر يواجه أزمة بيئية متصاعدة تهدد توازنه الطبيعي ومستقبل موارده البحرية.
قدرًا محدودًا
لطالما شكّل شاطئ بحر غزة، على مدار سنوات طويلة، متنفسًا حيويًا لسكان القطاع في ظل الحصار والأزمات المتكررة. فعلى الرغم من القيود المفروضة على تفاصيل الحياة اليومية، وفر البحر مساحة مفتوحة للسباحة والتنزه وممارسة الأنشطة الترفيهية البسيطة، كما أصبح مكانًا للقاءات العائلية والاجتماعية بعيدًا عن ضغوط المدن المزدحمة.
ولم يقتصر دور الساحل على كونه متنفسًا طبيعيًا، بل كان أيضًا موطنًا لثروة بحرية متنوعة، اعتمد عليها آلاف الصيادين لتأمين جزء من مصادر رزقهم. كما أسهمت البيئة البحرية في الحفاظ على قدر من التوازن البيئي، رغم التحديات المستمرة، ليصبح البحر عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية لسكان غزة، يجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، ويوفر لهم قدرًا محدودًا من الاستقرار الطبيعي وسط ظروف استثنائية.
ويؤكد المختص البيئي المهندس نزار الوحيدي أن توقف جميع محطات معالجة المياه في قطاع غزة أدى إلى تدفق مباشر لكميات كبيرة من المياه العادمة إلى البحر، خصوصًا من المخيمات المنتشرة على طول الشريط الساحلي. ويوضح أن هذا الوضع جاء بالتزامن مع دمار واسع طال البنية التحتية لقطاع الصرف الصحي في مدينة غزة، ما فاقم من تدفق المياه غير المعالجة وأثر بشكل مباشر في البيئة البحرية.
ويشير الوحيدي إلى أن حجم الأضرار في شبكات الصرف الصحي بلغ نحو 212 ألف متر طولي، إضافة إلى تضرر ثماني مضخات رئيسة، الأمر الذي ساهم في زيادة كميات المياه الملوثة المتدفقة إلى البحر.
كما يلفت إلى أن هذه المياه تحتوي على نسب مرتفعة من المواد العضوية والمنظفات المنزلية ومجموعة من الملوثات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى تدمير أماكن تكاثر الأسماك، خصوصًا في المناطق الصخرية القريبة من الشاطئ.
ويضيف أن استخدام بعض السكان لمياه البحر في الغسيل أو الاستحمام، نتيجة شح المياه العذبة، يزيد من الضغط على البيئة البحرية ويفاقم الأضرار. كما أن السيول التي تصل إلى البحر تحمل بقايا مواد كيميائية ومركبات ناتجة عن مخلفات الصواريخ والمتفجرات، غير أن غياب المختبرات والأجهزة المتخصصة يحول دون تحديد طبيعة هذه المواد أو قياس تركيزها بدقة.
نكبة اقتصادية كبرى
ويؤكد الوحيدي أن قطاع الصيد البحري كان يمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر السلة الغذائية في غزة، إلى جانب كونه مصدر دخل لآلاف الأسر. إلا أن الحرب تسببت في توقف معظم قوارب الصيد عن العمل نتيجة التدمير والقيود الأمنية المفروضة في البحر، ما جعل حجم المصيد الحالي محدودًا للغاية، وهو ما وصفه بأنه "نكبة اقتصادية كبرى" أصابت أحد أهم قطاعات الإنتاج الغذائي في القطاع.
من جهته، يرى عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية في غزة، أن البيئة البحرية في القطاع كانت تواجه تحديات بيئية محدودة قبل اندلاع الحرب، لكنها شهدت خلال الأشهر الأخيرة تدهورًا ملحوظًا بفعل الأحداث العسكرية المتصاعدة. ويشير إلى أنه رغم أن مؤشرات التراجع في التنوع الحيوي كانت قد بدأت بالظهور قبل الحرب، فإن القصف المستمر وتدمير المراكب والمنشآت الساحلية سرّعا بشكل كبير من وتيرة هذا التدهور.
ويضيف عبد ربه أن حجم المصيد الحالي لا يتجاوز ما بين 10 إلى 20% من حجم الصيد قبل الحرب، وهو انخفاض ينعكس مباشرة على سبل عيش الصيادين.
ويرجع هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها القصف المباشر للمناطق الساحلية، وتدمير قوارب الصيد، إضافة إلى تلوث المياه الناتج عن تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة عقب تعطل محطات المعالجة.
كما يوضح أن بعض الأنواع البحرية الحساسة، وخاصة الأسماك الغضروفية، أصبحت مهددة على المستوى العالمي بسبب بطء معدل تكاثرها وكبر حجمها، ما يجعل تعويض الفاقد منها عملية طويلة ومعقدة. وفي ظل هذه الظروف، باتت أولوية البقاء الغذائي للسكان تتقدم على أي اعتبارات بيئية أخرى، في انعكاس واضح لحجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها الحرب على حياة المواطنين وعلى استدامة الثروة البحرية في القطاع.
من جانبه، يشير زكريا بكر، رئيس لجان الصيادين في غزة، إلى أن بعض مناطق الشاطئ، مثل وادي غزة ومحيط مخيم الشاطئ، تعد من أكثر المناطق تلوثًا في القطاع. وتنتشر في هذه المواقع روائح كريهة ويتغير لون المياه نتيجة تصريف مياه الصرف الصحي، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للحياة البحرية وللأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالصيد.
تراجع المصيد المتاح
ويضيف بكر أن الحصار البحري المفروض على غزة يزيد من الضغوط على المخزون السمكي، إذ يضطر الصيادون إلى التركيز على مناطق قريبة جدًا من الشاطئ، لا تتجاوز أحيانًا 500 متر. وتؤدي هذه المسافة المحدودة إلى ضغط إضافي على الأسماك الصغيرة التي تعيش في المياه الضحلة، ما يفاقم من تراجع المصيد المتاح.
ورغم هذه الضغوط، يرى بكر أن تقييم التغيرات في أنواع الأسماك أو حجم نفوقها أمر صعب، نظرًا للقيود المفروضة على حركة الصيادين، والتي حدّت من كميات المصيد لتصبح نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بالمعدلات الطبيعية قبل الحرب.
ويعرب عن أسفه لأن الضغوط الاقتصادية والغذائية دفعت بعض الصيادين إلى ممارسات بيئية غير مقبولة، مثل صيد السلاحف البحرية، التي تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن البيئي. ويشير إلى أن هذه الممارسات تعد مخالفة للقوانين البيئية في الظروف الطبيعية، غير أن الحرب والضغط المعيشي دفعا البعض إلى اللجوء إليها.
وعلى الرغم من الصورة القاتمة، يؤكد الخبراء أن البيئة البحرية في غزة تمتلك قدرة طبيعية على التعافي إذا توقفت مصادر التلوث. فالتيارات البحرية والأمواج تسهم في تخفيف تركيز الملوثات ونقلها بعيدًا عن الشواطئ، ما يمنح النظام البيئي فرصة لاستعادة توازنه تدريجيًا، شريطة التدخل وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة.
كما يشير الخبراء إلى أن البحر يمتلك قدرة على استعادة توازنه البيئي بسرعة أكبر مقارنة بالأنظمة البيئية البرية، إذا توقفت مصادر التلوث وأعيد تشغيل محطات معالجة المياه. إلا أنهم يحذرون من أن تحقيق هذا التعافي يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية البيئية، تشمل إعادة تأهيل محطات المعالجة وبناء مختبرات علمية متخصصة لمراقبة جودة المياه ورصد التنوع البيولوجي في المناطق الساحلية.
