تقرير/شهاب
تتراجع مأساة غزة تدريجيًا عن صدارة الاهتمام الدولي، رغم أن الحرب فيها لم تتوقف يومًا. فمع كل تطور إقليمي جديد، يُعاد ترتيب أولويات العواصم الكبرى ووسائل الإعلام، لتتصدر المخاوف من اتساع رقعة الصراع العناوين الرئيسية، فيما تبقى الكارثة الإنسانية في القطاع تتفاقم بعيدًا عن الأضواء.
ويواصل سكان غزة مواجهة واقع يومي قاسٍ من القصف والدمار والنزوح ونقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية، لتبدو معاناة أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع وكأنها تتحول تدريجيًا إلى أزمة "مستمرة"، يتراجع حضورها في النقاش الدولي رغم عمقها الإنساني وتداعياتها المتصاعدة.
اختلال واضح
تتفاقم الأوضاع المعيشية في قطاع غزة بصورة متسارعة، في ظل استمرار الحرب وتراجع تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق المحلية، ومع القيود المشددة المفروضة على المعابر التجارية، حيث تصل المواد الغذائية بكميات محدودة وغير منتظمة، ما أدى إلى اختلال واضح في توفر السلع داخل الأسواق وخلق حالة من عدم الاستقرار في الأسعار.
وفي المقابل، تشهد الأسواق ارتفاعات متتالية في أسعار المواد الغذائية، بوتيرة تفوق قدرة معظم العائلات على الشراء، لا سيما في ظل فقدان شريحة واسعة من السكان مصادر دخلهم بعد تدمير منشآت اقتصادية وتوقف قطاعات العمل المختلفة جراء الحرب.
هذا الواقع دفع آلاف العائلات إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على "التكيات" والمبادرات الخيرية التي تحاول توفير الحد الأدنى من الغذاء للسكان، في وقت لم تعد فيه كثير من الأسر قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية من الأسواق. ومع تراجع القدرة الشرائية، تحولت موائد الطعام في العديد من المنازل إلى وجبات بسيطة ومحدودة، غالبًا ما تقتصر على الخبز والبقوليات وبعض المعلبات، في ظل نقص ملحوظ في مصادر البروتين الحيواني مثل اللحوم والدواجن، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار الخضار والفواكه.

على الأرض في قطاع غزة، لا يبدو أن وقف إطلاق النار قد أوقف العمليات العسكرية بشكل كامل، إذ شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في وتيرة القصف الإسرائيلي وعمليات الاستهداف التي طالت مناطق متفرقة من القطاع.
وخلال الأيام الماضية، أسفرت عدة غارات إسرائيلية عن سقوط شهداء في مناطق مختلفة من القطاع، من بينها مخيم النصيرات وسط غزة، حيث استشهد ثلاثة مواطنين وأصيب آخرون جراء قصف جوي، إضافة إلى استشهاد مواطنة برصاص الجيش الإسرائيلي شرقي مخيم المغازي. كما شهدت مدينة خان يونس جنوب القطاع استهدافات متكررة، بينها قصف طال موقعًا للشرطة شمال المدينة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.
هشاشة وقف إطلاق النار
وفي حوادث أخرى خلال الأسبوع ذاته، نفذت الطائرات الإسرائيلية غارات على أحياء سكنية ومناطق مختلفة من مدينة غزة وخان يونس، بينها حي الشجاعية والزيتون ومنطقة الشيخ عجلين، إضافة إلى استهداف منزل في بلدة الزوايدة وسط القطاع. وأسفرت هذه الضربات عن سقوط عدد من الشهداء وإصابة آخرين، في ظل استمرار القصف رغم غياب أحداث ميدانية مباشرة تبرر هذه الهجمات، الأمر الذي يعكس واقعًا ميدانيًا متوترًا ويزيد من هشاشة وقف إطلاق النار في القطاع.
من جهته، رأى المحلل السياسي وسام عفيفة أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في قطاع غزة يرتبط بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما الحرب الدائرة مع إيران. وأوضح، في حديث لـ"شهاب"، أن انشغال المجتمع الدولي بهذه المواجهة الإقليمية الواسعة أتاح لإسرائيل مساحة أوسع للتحرك عسكريًا داخل القطاع، في ظل تراجع مستوى الضغوط السياسية والإعلامية التي كانت تُمارس عليها في مراحل سابقة.
وبيّن عفيفة أن انتقال اهتمام العواصم الدولية ووسائل الإعلام إلى الصراع الإقليمي الأوسع انعكس بشكل مباشر على تراجع حضور قضية غزة في أجندة الاهتمام الدولي، وهو ما يفسر – بحسب تقديره – استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية في القطاع رغم غياب أحداث ميدانية كبيرة يمكن أن تُتخذ ذريعة لتبرير هذه الهجمات، إضافة إلى تواصل القصف في مناطق متفرقة من القطاع.
وأشار إلى أن إسرائيل تحاول، في هذا السياق، تكريس معادلة ميدانية جديدة في غزة تقوم على إبقاء مستوى من الضغط العسكري المستمر ولكن بوتيرة منخفضة، بحيث يمنع ذلك عودة الاستقرار الكامل إلى القطاع، ويُبقيه في حالة استنزاف دائم على المستويين الأمني والإنساني.
وأضاف عفيفة أن هذه السياسة قد ترتبط أيضًا بمحاولة تأجيل الملفات السياسية المرتبطة بوقف إطلاق النار وإعادة إعمار القطاع، مع إعادة طرح مستقبل غزة ضمن إطار أمني يركز على قضايا مثل ترتيبات ما بعد الحرب وسلاح المقاومة. ولفت إلى أن التقديرات المطروحة في هذا السياق تتحدث عن ثلاثة مسارات محتملة لتطور الأوضاع.
ووفقًا لعفيفة، يتمثل المسار الأول في استمرار الوضع القائم حاليًا عبر تنفيذ ضربات إسرائيلية محدودة ومتقطعة داخل القطاع، مع بقاء المسار السياسي المرتبط بوقف إطلاق النار في حالة جمود. أما المسار الثاني فيتعلق بإمكانية توسيع العمليات العسكرية في غزة إذا رأت إسرائيل أن انشغال الإقليم والعالم بالحرب مع إيران يشكل فرصة مواتية لتغيير المعادلات الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
مقاربة مختلفة
أما السيناريو الثالث، فيقوم على احتمال عودة ملف غزة إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد تراجع حدة المواجهة المرتبطة بالحرب مع إيران، لكن ضمن مقاربة مختلفة تركز على ترتيبات ما بعد الحرب، بما يشمل قضايا إعادة الإعمار والإدارة المدنية للقطاع والترتيبات الأمنية المرتبطة به.
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحرب الدائرة مع إيران لا يُفترض – من الناحية النظرية – أن تُحدث تأثيرًا مباشرًا كبيرًا على اقتصاد قطاع غزة، بيد أن سلطات الاحتلال أغلقت المعابر التجارية منذ الأيام الأولى للحرب، قبل أن تعيد فتحها بشكل تدريجي ومقيد.
يوضح أن المشكلة الجوهرية تتجاوز مسألة إدخال السلع بحد ذاتها، لأن غزة تعيش وضعًا اقتصاديًا غير اعتيادي يمكن وصفه بـ"اقتصاد الطوارئ". ففي هذا الواقع الاقتصادي الضيق، لا يدخل إلى القطاع سوى جزء بسيط من احتياجات السكان الأساسية، في وقت فقدت فيه الغالبية الساحقة من العائلات مصادر دخلها.

ويؤكد أبو قمر أن نحو 95% من سكان قطاع غزة يعتمدون اليوم على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل شبه انعدام لفرص العمل وانهيار معظم مقومات النشاط الاقتصادي. لذلك، فإن أي تطور سياسي أو اقتصادي في المنطقة، حتى وإن بدا بعيدًا جغرافيًا عن القطاع، يترك انعكاساته سريعًا على السوق المحلية.
ويشرح أن التأثير غير المباشر للحرب قد يظهر تدريجيًا من خلال تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. ففي غزة، يُباع السولار بالفعل بأسعار تتجاوز قيمته الطبيعية بأكثر من خمسة أضعاف نتيجة القيود الإسرائيلية وتكاليف التنسيقات المفروضة على إدخاله. ولهذا، فإن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط قد ينعكس بشكل مضاعف على السكان داخل القطاع.
كما يلفت إلى أن موجة ارتفاع الأسعار التي شهدتها الأسواق المحلية في الأيام الأولى للحرب لا تعود فقط لعوامل اقتصادية مباشرة، بل ترتبط أيضًا بطبيعة السوق في غزة، التي تعاني من اختلالات عميقة تجعلها شديدة التأثر بالأخبار والشائعات.
ورغم العزلة التي يعيشها قطاع غزة، يؤكد أبو قمر أن الاقتصاد المحلي يبقى متأثرًا بالاقتصاد الإقليمي والدولي، ما يعني أن أي اضطراب اقتصادي عالمي سينعكس بصورة أو بأخرى على الأوضاع داخل القطاع. فعندما ترتفع أسعار الوقود عالميًا، تزداد تكلفته في غزة بشكل أكبر، ما يفاقم الضغوط على السكان.
بعيدة عن واقع غزة
ولا تقتصر تداعيات التوترات الإقليمية على قطاع الطاقة فقط، إذ يشير أبو قمر إلى أن الأسواق المالية العالمية تتأثر كذلك بهذه التطورات، بما في ذلك أسعار الذهب والعملات الرقمية.
ويضيف أن هذه التحركات في الأسواق المالية قد تبدو بعيدة عن واقع غزة، لكنها في النهاية تعكس حالة من الاضطراب الاقتصادي الإقليمي الواسع، وهو ما يترك تأثيراته على مختلف الأسواق في المنطقة.
ويؤكد أبو قمر أن الخيارات المتاحة أمام قطاع غزة لمواجهة هذه التطورات محدودة للغاية. فالقطاع يعيش منذ ما يقارب نصف عام تحت تأثير إغلاق شبه كامل للمعابر، في حين كان قبل اندلاع الحرب يحقق مستويات إنتاج زراعي مرتفعة، لكن هذا الواقع تغير بشكل كبير بعد أن دمرت الحرب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتوقفت سلاسل الإنتاج والتوزيع داخل القطاع، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية المحلية بصورة حادة.
ومع استمرار القيود المفروضة على إدخال السلع، يحذر أبو قمر من أن استمرار الحرب مع إيران قد يؤدي إلى إغلاقات متكررة للمعابر، وهو ما قد يفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في غزة.
ويدعو أبو قمر المؤسسات الدولية إلى زيادة الضغط من أجل ضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع بكميات أكبر وبمحتوى أكثر تنوعًا، بحيث لا تقتصر على الدقيق والمعلبات والبقوليات فقط، بل تشمل أيضًا احتياجات غذائية وصحية أوسع تلبي الحد الأدنى من متطلبات السكان.
