تقرير الإبادة تعلق زوجات مفقودين الحرب في المنتصف.. لا هن زوجات ولا هن أرامل 

تقرير/ شهاب

في قطاع غزة، لا تنتهي الحرب عند حدود القصف، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تجد آلاف النساء أنفسهن في حالة قانونية واجتماعية معلّقة، لا هنّ زوجات يتمتعن بحقوقهن، ولا أرامل يُعترف لهن بفقدان أزواجهن.

مع تصاعد أعداد المفقودين خلال الحرب، برزت فئة جديدة من النساء اللواتي علقن في منطقة رمادية، يواجهن واقعًا معقدًا يحرمهن من أبسط الحقوق، بدءًا من الحصول على المساعدات الإنسانية وصولًا إلى حسم مصير حياتهن الشخصية.

بين غياب أي دليل يؤكد الوفاة، وتمسّك العائلات بأمل عودة الغائبين، تعيش هؤلاء النساء حالة انتظار قاسية، لا يستطعن معها المضي في حياتهن، ولا يملكن القدرة على حسم مصيرهن.

لا يتوقف عبء الفقد عند غياب الزوج، بل يمتد ليصطدم بجدار قانوني معقد، يحوّل معاناة النساء إلى أزمة مفتوحة بلا حلول واضحة.

انتظار يمتد لسنوات.

في الوقت الذي تحتاج فيه الزوجة إلى إثبات وفاة زوجها للحصول على أبسط حقوقها، يقف القانون أمامها بشرط حاسم: دليل قاطع على الوفاة، أو انتظار يمتد لسنوات.

وبين هذين الخيارين، تجد آلاف النساء أنفسهن عالقات؛ فلا هنّ قادرات على إثبات الوفاة في ظل غياب الجثامين أو المعلومات، ولا مستعدات للمجازفة بإعلان وفاة قد يتبيّن لاحقًا عدم صحتها.

بحسب المحامية الشرعية آية ياسين، فإن القانون الفلسطيني في الظروف الطبيعية يفرض مرور عدة سنوات قبل الحكم بوفاة المفقود، وذلك لمنح فرصة لأي احتمال بعودة الشخص، ولتجنّب اتخاذ قرارات سابقة لأوانها قد تُخل بمصائر أسر بأكملها.

 توضح ياسين لـ"شهاب": "أن الحرب فرضت واقعًا جديدًا، وأجبرت المؤسسات القضائية على تعديل القواعد لتتناسب مع الظروف الاستثنائية، فصدر تعميم يقلص المدة المطلوبة للحصول على شهادة وفاة من أربع سنوات إلى ستة أشهر فقط، ابتداءً من تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ".

وتستدرك إلا أن هذه التسهيلات، وفق المحامية، لم تكن الحل الأمثل كما قد يبدو للوهلة الأولى. تقول: "هذه الإجراءات، بدل أن تخفف العبء عن النساء، فتحت بابًا لمعضلات أكثر تعقيدًا. فقد شهدنا حالات أُعلن فيها عن وفاة مفقودين قبل أن يظهروا لاحقًا على قيد الحياة، ما تسبب بأزمات قانونية واجتماعية قاسية لم تقتصر على الزوجات فقط، بل امتدت لتشمل عائلات بأكملها".

وتضيف ياسين أن هذا التناقض يضع النساء أمام معادلة صعبة: "إما أن ينتظرن طويلًا، وهو انتظار يجمّد حياتهن وحقوقهن، أو أن يتخذن قرارًا قانونيًا محفوفًا بالمخاطر قد يقلب حياتهن رأسًا على عقب".

وتوضح ولا يتوقف العبء القانوني عند حدود إثبات الوفاة، فالجانب المالي يتأثر بشكل مباشر، كما توضح المحامية: "القانون يمنع التصرف في تركة المفقود دون صدور حكم رسمي بوفاته، وهذا يحرم الزوجة وأطفالها من أي مورد مالي محتمل، ويزيد من أعباء الحياة اليومية، خاصة في ظل ظروف الحرب الصعبة".

وتشير ياسين أيضًا إلى أن الحصول على المساعدات الإنسانية أو كفالات الأطفال يتطلب وثائق رسمية، أهمها شهادة الوفاة، وهو ما تفتقده هذه الفئة، لتجد نفسها خارج نطاق الدعم، رغم أنها الأكثر حاجة للمساعدة.

 تلخص المحامية الشرعية حجم الأزمة بوضوح: "القانون في هذه الحالات لا يبدو كمسار للحل، بل يتحول إلى حلقة إضافية من التعقيد، تبقي النساء في حالة انتظار مفتوح، بلا حسم قانوني، ولا استقرار إنساني. المرأة هنا ليست فقط ضحية فقد زوجها، بل ضحية نظام قانوني لم يُصمَّم للتعامل مع واقع الحرب الاستثنائي".

لم يكن فقدان زوج الاء أبو شعيرة، "34 عامًا"، خلال الأشهر الأولى من الحرب في قطاع غزة مجرد حدث عابر في حياتها، بل لحظة فاصلة انقلبت بعدها كل تفاصيل يومها إلى معركة مفتوحة مع الغياب والفقدان.

وتقول لـ"شهاب": "بدأت رحلة بحث مضنية، تنقلت خلالها بين المستشفيات ومراكز الإيواء، وتتبع أسماء الجرحى والشهداء، وحاولت الوصول إلى أي معلومة عبر قوائم الأسرى أو من خلال من نُقلوا من مناطق الاعتقال الجماعي، إلا أن كل تلك المحاولات اصطدمت بجدار الصمت، دون أن أتمكن من معرفة مصيره، أحيّ هو أم في عداد الشهداء".

وتضيف: "مع الوقت، لم يعد الغياب وحده هو ما يرهقني، بل ما ترتب عليه من تعقيدات قاسية طالت حياتي وحياة أطفالي بالكامل، لنصبح كلنا عالقين في وضع قانوني لا يتيح لنا التقدم خطوة واحدة إلى الأمام".

تقول الاء: "وبعد أشهر من الانتظار، حاولت التوجّه إلى الجهات المختصة لاستصدار شهادة وفاة لزوجها، في محاولة لإنهاء حالة الغموض التي نعيشها، وتمكيني من إعالة أطفالي، إلا أن تلك الخطوة لم تكتمل، بسبب رفض عائلة الزوج المضي في هذا الإجراء، تمسكًا باحتمال أن يكون على قيد الحياة".

وتوضح أن هذا الرفض أبقاها في حالة "معلّقة": لا أستطيع خلالها إثبات استشهاد زوجي، ولا التعامل مع واقعي كزوجة لها حقوق واضحة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على وضعها المعيشي.

وبحسب الاء، فإنها حاولت مرارًا التقدم بطلبات للحصول على مساعدات إنسانية أو كفالة لطفلتها، إلا أن غياب الوثائق الرسمية، وعلى رأسها شهادة الوفاة، كان سببًا في رفض تلك الطلبات، لتبقى خارج نطاق الدعم، رغم حاجتها الملحّة.

خيارين أحلاهما مرّ

ولا يتوقف الأمر عند الجانب المادي، إذ تشير إلى أن العبء النفسي يتضاعف يومًا بعد آخر، خاصة مع الأسئلة المتكررة من أطفالها حول مصير والدهم، منوهة: "نحن عالقون بين خيارين أحلاهما مرّ؛ انتظار قد يطول دون نهاية، أو محاولة حسم المصير بإجراءات قد لا تعكس الحقيقة، لتبقى حياتنا كما نصفها: واقفين في النص… لا رايحين لقدّام، ولا قادرين ترجع لورا".

في حين تقول وفاء أبو شمالة، "43 عامًا": "أعيش في مواجهة وأسئلة يومية لا تنتهي وفرضيات لا يمكن أن يتخيلها عقل بشري، فمن يتخيل أن عليّ أن أخبر أطفالي باستمرار أنني فعلاً لا أعرف مصير والدهم، شهيد أو أسير".

وتصف عشرات الأسئلة التي تطرأ يوميًا على مسامعها: "ابني الأكبر يسألني يوميًا: أين أبي؟ حيّ ولا ميت؟ وهل راح يرجع؟، والبنت الصغيرة تبكي وتقول لي: أنا خايفة… ليه ما عندنا أي خبر عنه؟"

منوهة أن هذه الأسئلة اليومية صارت جزءًا من حياتهم، بل أشعر أنها جزء من هويتهم، وهو ما يزيد الضغط النفسي عليها، خاصة عندما لا تملك إجابة.

وتتابع: "غياب أي إثبات رسمي يتركني في مواجهة صعوبات متعددة، كوني معيلة لست أطفال، مسؤولة عن تعليمهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وفي الوقت نفسه أواجه عجزًا عن اتخاذ أي خطوات قانونية للحصول على المساعدات أو الحقوق التي كانت ستحصل عليها لو ثبتت استشهاده".

وتوضح: "كل المؤسسات تطلب أوراقًا رسمية، أبرزها شهادة الوفاة، ولا يوجد أي شيء يثبت حالة زوجي، هذا الشيء يجعلنا خارج كل دعم، رغم أننا بحاجة ماسة له".

وتشير إلى أن الوضع النفسي لأبنائها يتفاقم يومًا بعد يوم، فهم يعيشون حالة من القلق المستمر وعدم اليقين، وهو ما يثقل كاهلها وتصفه بـ"تجربة مرهقة بشكل لا يمكن وصفه".

من جانبه، أكد شحدة شراب، المختص في قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني، أن قضية المفقودين في الحرب الحالية تركت أثرًا عميقًا على حياة النساء في غزة، خصوصًا اللواتي يعانين من غياب أي معيل لأسرهن. وأوضح أن المخاوف القانونية والاجتماعية المرتبطة بإمكانية الحكم بوفاة الزوج المفقود، مع احتمالية عودته لاحقًا، تجعل حياة هؤلاء النساء مفعمة بالقلق وعدم اليقين، إذ يواجهن تحديات معيشية وقانونية في آن واحد.

وأشار شراب في حديثه لـ"شهاب" إلى أن التشريع الفلسطيني يتيح عادة مرور أربع سنوات قبل التقدم بطلب الحصول على شهادة وفاة في الظروف الطبيعية، إلا أن المجلس الأعلى للقضاء الفلسطيني أصدر مؤخرًا تعميماً استثنائياً يقضي بتقليص المدة إلى ستة أشهر تبدأ من بداية دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تماشياً مع ظروف الحرب الاستثنائية التي يعيشها القطاع.

وأضاف أن التعميم القضائي جاء مراعاةً لحقوق الزوجات اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أطفالهن بدون أي دعم، ويسعين للحصول على المساعدات أو الكفالة، لكنهن غالبًا يصطدمن بضرورة وجود حجة الوصاية وشهادة الوفاة، مما يحرمهن من أي مساعدة عملية، ويتركهن في مواجهة صعوبات يومية شديدة.

غياب بلا نهاية

وأشار شراب إلى أن المدة المحددة بستة أشهر غير كافية لإثبات وفاة المفقود بشكل قطعي، لافتًا إلى أن بعض المحاكم وأقسام الشرطة أصدرت أحكامًا استثنائية بوفاة المفقودين، وتبين لاحقًا عودتهم، ما تسبب في إشكاليات قانونية واجتماعية معقدة. وأضاف: "بعض الزوجات تزوجن من أخ المفقود، ثم تبين لاحقًا عودته، وهذا خلق تداعيات نفسية واجتماعية قاسية على الزوجة والأسرة بأكملها".

ويشرح شراب أن الحكم بوفاة المفقود قد يتم فقط بعد دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، والحصول على قوائم كاملة للأسرى، بمن فيهم المخفيون قسراً لدى الاحتلال الإسرائيلي، عبر تدخل الوسطاء أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لضمان صدور حكم قضائي قطعي وموثوق بوفاة المفقود.

أما فيما يخص تركة المفقود، فيوضح شراب أن القانون الفلسطيني يمنع التصرف فيها ما لم يصدر حكم قضائي بإثبات الوفاة، وبالتالي لا تستطيع الزوجة التصرف في أي ممتلكات لزوجها في حال فقده. وأضاف أن القانون يكفل للمفقود، في حال عودته بعد إثبات وفاته، استعادة تركته من الورثة الآخرين.

وفي ما يتعلق بالأطفال، أوضح شراب أن وصايتهم تبقى في يد الزوجة في حالة الفقد، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا عليها، بينما تنتقل الوصاية إلى الجد عند إثبات وفاة الأب. وبالنسبة للنفقة، يشير إلى أن القانون يحددها من أموال الزوج المتوفى، وإذا لم توجد، يمكن للزوجة المطالبة بالإنفاق من الجد لضمان حقوق الأبناء.

وختم الباحث القانوني حديثه بتأكيد أن التعميم القضائي الصادر في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر يوضح أن أي تصرف في تركة المفقود دون صدور حكم قضائي بالوفاة يعد باطلاً، وأي زواج يُقام قبل إثبات الوفاة يُعتبر غير قانوني.

ويبقى واقع حياة زوجات المفقودين في غزة حكاية غياب بلا نهاية، بين انتظار طويل لمصير مجهول وأحلام مؤجلة لأمهات بلا معيل وزوجات تتلمس أثر أحبائهن في ظروف لا ترحم. في حرب صامتة، تراكم المعاناة يومًا بعد يوم، تاركة آثارًا إنسانية واجتماعية عميقة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة