تشهد مدن وقرى الضفة الغربية المحتلة تحولاً خطيراً في نمط الاعتداءات الإسرائيلية، حيث انتقلت العلاقة بين المستوطنين وجيش الاحتلال من مجرد "الحماية" إلى "تكامل الأدوار" والتنسيق العملياتي المباشر.
هذا النمط المتصاعد لم يعد يكتفي بالهجمات العشوائية، إنما بات يعتمد على تكتيكات منظمة تشمل جرائم قتل نفذها مستوطنون يرتدون الزي العسكري، مما يمحو الفوارق التقليدية بين "المستوطن" و"الجندي"، ويحول التجمعات الاستيطانية إلى ثكنات عسكرية تنفذ سياسة التطهير العرقي بضوء أخضر رسمي.
الوجوه ذاتها بملابس مختلفة: تكتيك "تبديل الزي"
تكررت المشاهد في بلدات قريوت وقصرة وأبو فلاح، حيث يرصد المواطنون الفلسطينيون وجوهاً مألوفة لمستوطنين يشنون هجمات بملابس مدنية في ساعات الصباح، ثم يعودون أنفسهم في المساء مرتدين زي جيش الاحتلال لممارسة الاعتقالات والتنكيل.
هذا التكتيك ليس مجرد تنكر عشوائي، لكن هو انعكاس لقرار منظم يهدف إلى إضفاء صبغة "قانونية عسكرية" على بلطجة المستوطنين، مما يسهل عليهم اقتحام المنازل وتنفيذ المهام القمعية دون رادع، مستغلين معرفتهم الجغرافية الدقيقة بالمنطقة وسكانها نتيجة احتكاكهم اليومي بهم كمستوطنين.
مجزرة "أبو فلاح": نموذج للتواطؤ الميداني
وتجسد جريمة قرية "أبو فلاح" بالقرب من رام الله ذروة التنسيق الميداني، فالهجوم الذي بدأ بمحاولات حرق منشآت زراعية من قبل مستوطنين مسلحين واجه مقاومة شعبية مشروعة، لكن التدخل العسكري لجيش الاحتلال لم يأتِ لوقف اعتداءات المستوطنين الغاصبين، إنما جاء كقوة إسناد ناري وتقني للمستوطنين.
وأثبتت التحقيقات الميدانية أن قوات الاحتلال التي وصلت إلى المكان شاركت فعلياً في قمع الفلسطينيين بقنابل الغاز والرصاص، مما أعطى الحماية للمستوطنين لإتمام جريمتهم التي أسفرت عن ارتقاء شهداء، في مشهد يثبت أن الجيش "الإسرائيلي" بات يعمل كذراع تنفيذية للأجندات الاستيطانية المتطرفة.
الاستيطان الرعوي: سلاح التهجير الصامت
في مسافر يطا ومناطق الأغوار، يبرز نوع جديد من الإرهاب المنظم تحت مسمى "الاستيطان الرعوي"، حيث يستخدم المستوطنون قطعان الماشية كأداة للسيطرة على الأراضي وتدمير المحاصيل الفلسطينية.
هذا السلوك يتبعه مباشرة تدخل عسكري بحجة "تأمين المنطقة"، لينتهي الأمر بمصادرة الأراضي أو إعلانها مناطق عسكرية مغلقة بوجه أصحابها الأصليين.
ومنذ السابع من أكتوبر2023، تضاعفت هذه الممارسات مع انخراط مئات المستوطنين رسمياً في كتائب "الدفاع المحلي" التابعة للجيش، مما منحهم صلاحيات رسمية لممارسة هواياتهم في التهجير والتنكيل تحت غطاء الطوارئ.
النزوح القسري: أرقام تعكس واقع التطهير
خلف هذه الاعتداءات تكمن إحصائيات مرعبة تشير إلى ترحيل نحو 280 عائلة بدوية من مناطقها منذ بداية العام الجاري، نتيجة الضغط النفسي والمادي الممارس من قبل عصابات المستوطنين بزي عسكري.
وبحسب تقارير محلية، فإن تكثيف الانتهاكات في المناطق المصنفة "ج" بنسبة تجاوزت 30% يعكس استغلالاً بشعاً للانشغال الدولي بالأحداث الإقليمية الكبرى، لتنفيذ مخططات قديمة وجديدة تهدف إلى إخلاء التجمعات البدوية والزراعية بشكل كامل، وهو ما يعد جريمة حرب تهدف إلى تغيير ديموغرافيا الضفة الغربية بشكل لا رجعة فيه.
منظومة واحدة تستهدف الوجود الفلسطيني
وذكرت التقارير أن استشهاد المواطن "أمير شناران" في وادي الرخيم برصاص مستوطن يرتدي زي جيش الاحتلال ويقود مركبة عسكرية ليس حادثاً معزولاً، إنما هو الدليل القاطع على تلاشي الخطوط الفاصلة بين المؤسسة العسكرية والعصابات الاستيطانية.
هذه المنظومة المتكاملة التي تبدأ بإطلاق المواشي وتنتهي بإطلاق الرصاص، مروراً بتدمير خزانات المياه ومنع الوصول إلى المراعي، تهدف في محصلتها النهائية إلى كسر إرادة الصمود الفلسطيني ودفع السكان نحو الهجرة القسرية، ضمن رؤية موحدة يتشاركها قادة جيش الاحتلال مع زعماء المستوطنات.
